الاثنين، 16 يوليو، 2012

أحن إلى الوجود


(مقال منشور ضمن ملف "الحنين" في مجلة الثقافة الجديدة - عدد يوليو 2012) 

لن أكذب وأقول أني أشعر بالحنين لطفولتي، عندما كان العالم صغيراً، جميلاً، ومفهوماً، أو أني أحن إلى أيام المدرسة، أو إلى حبي الأول، إلى عينيه السمراوتين تأخذاني في  دروب من الشمس لا نهاية لها، أو إلي قصص عشقي الطفولية، عندما عرفت غرامي بالأدب، فأغرمت بكل من درسوني الرواية والنقد والشعر أيام مراهقتي الأولى، أو أني أحن إلى بيتنا القديم، أو إلى غناء جدتي، أو الفطير المشلتت، أو إلى الركوب من الهرم إلى مصر الجديدة بعشرة جنيهات فقط.. قد أحن إليها جميعاً، لكني أحن، أكثر ما أحن دائماً، إلى وجودي.

 والوجود كلمة صعبة، حيرت الكثيرون على مر السنين، وتحيرني، وتتعبني لأني أحاول النفاذ إلى حقيقتي فتهرب مني ولا أجدها، بحثت عنها عندما قررت أن أعمل في الصحافة، فوجدت بعض منها، وبحثت عنها عندما قررت أن أبدأ دراسات في الأدب العربي، فوجدت البعض الآخر، وبحثت عنها عندما تمشيت في شوارع وسط البلد، وعندما اشتركت في جمعية خيرية، وعندما بكيت في السينما، وعندما صعدت جبل موسى، وعندما شعرت بفشلي في كل شيء، وعندما كتبت، وعندما نظرت ذات ليلة في المرآة فارتبكت إذ رأيت عينا أمي تطلان عليّ، بحثت كثيراً، لكني دائماً غير مكتملة.

أحن للشعور أني حقيقية، أني موجودة، وأن أشعر بنفسي، أن أشعر بيديّ حقاً، أن أنصت لصوتي يسري بداخلي فعلاً، أن أحس فجأة بأفكاري، أن أنفذ من جدران قلبي، وأشعر بكياني نفسه، أشعر به حراً بإرادته، وبنفسي تتلون بأعمق ذكرياتي، لكنه أمر نادر، ومخيف، فنحن نفضل دائماً أن نترك أنفسنا لبحور الأيام، ودهاليز الحياة، نظن أننا موجودون، وأننا نعيش كما يجب، ونرى الدنيا كما هي، لا نعي أننا نغرق في وهم لا نهاية له، فكم منا ينظر ملياً إلى نفسه في المرآة؟ أحياناً أشعر بشيء غريب عندما أنظر إلى نفسي ملياً لعدة دقائق، أحاول فهم أن هذا الجسد وهذه العيون هي "أنا".. وأشعر أني لم أرهم مطلقاً في حياتي من قبل، وأكتشف أني لم أكن موجودة، أني كنت أطير على سطح الحياة، منهمكة، مشغولة، لا أرى عمقها ولا أرى عمق نفسي.

ولا أعرف متى يتحقق هذا الإحساس الكامل بالوجود – هل بالحب؟ هل بالسفر؟ أم العزلة؟ أم الموت؟ ليس لدي إجابة، ولكني أعرف أني شعرت بشيء أنساني الدنيا وما عليها، وأشعرني بشيء ربما يشبه الوجود.

وهو إحساس يأسرني، لا أشعر به مكتملاً أبداً إلا في لحظات عابرة، وحينها أشعر بتهدم الكون من حولي، كأنه لم يكن، وأشعر بسكون دفين يغمرني، وأشاهد الناس كأني أتفرج عليهم من بعيد، ربما حدث ذلك في لحظة إيمان شديدة الخشوع، شديدة التجلي، نادرة، أو في دفقة حب نقية للدنيا، لكني غالباً أرتطم بوجودي في أقصى حالات الصخب..

في قاعة تنتفخ بالبشر، تضج بالموسيقى العالية، خشخشة الآلات، ودقات الطبول، نداءات الأوتار، وصوت يغني دون هوادة.. أياد تصفق، وعيون تتابع أنفسها، وتتابع الجميع، وتتابعني.. شفاه تبتسم، وعقول تنكب على نسج الحكايا، وحياكة الأماني، واللذات، وتهريب الصيحات، وتسجيل الذكريات، وتطييب الأحزان، وتزييف صور الحنق والخجل والنفاق.. أرجل تأتي وتذهب، وتقوم للرقص، وتتأهب للغياب، وتشير بالقلق، أو الطرب، ضحكة تلو الأخرى، نداء يشد نظرة، وكأس يذيب قلب.. وهناك وجود يراقب، وآخر يحيي كل شيء، ولا يراه أحد.. ثم يدخل رجل، يحمل تنورة ملونة حول وسطه، ويبدأ في الدوران، ويدور، ويدور، يتحرك في دوائر بلا نهاية، كأنه في عالم آخر، ولا يدور الصخب من حوله، يتلحف وجوداً قدسياً، عالياً، خاصاً، يأسرني، تتشبث عيوني بدوائره، تضمه تنورته بين أطرافها الطائرة المنحنية، وتدور، مرة، ومرة، ومرة أخرى، وأنا – فجأة – يدب في كياني الصمت، ويغرقني السكون.

وعندها – أو ربما تدريجياً – أرسو في مكان ما، لا أسمع شيئاً إلا دقات الطبول متواصلة، دئوبة، تئن مع القلب، تصعد مع الروح، لكنها ثابتة، غائرة في صلب الأرض، أسمع وأرى الألوان تتتالى، لون تلو الأخر، تذوب سوياً، ثم ربما لا أسمع، وأنهار، وتنهار الدنيا معي، تتكسر وتهوى ساقطة.. وأصبح ها هنا.. أخيراً..

أشعر بالصمت، بصغر الدنيا، بهدوء في القلب، وحزن غامر يفيض في الروح.. لكني لا أعرف ما هذا الشعور.. ولا أعرف من أنا.. غير أني أعرف أني لست شيئاً مما رأيته.. قد أكون حلماً في خيال أحدهم.. قد أكون شريط ذاكرة لامرأة ميتة.. أو امرأة أخرى تختبئ في أعماقي ولم أحررها بعد..

الخميس، 5 يوليو، 2012

الصمت

أحياناً أتمنى لو كنت أستطيع كتابة الصمت الذي يملؤني في أيام كهذه.. لو أني أستطيع ترجمة العدم، واللا حياة.. والخواء.. ثقل الخواء.. الصمت، وتعاليه، وحزنه.. وقوته بلا منازع.. الصمت جائلاً في خاطري، متربعاً في عقلي، ساكناً في عيني، ونائماً في شفتي.. صمت لا ينادي، ولا يشير، ولا يجيب.. هو وحده ولا شيء آخر.. صمت كالذي ينتاب الشوارع فجأة إثر آذان الفجر.. وكالذي يأتي بعد الموت.. وكالذي ينفجر بين الناس في لحظات لا يجدي فيها الكلام.. صمت كنغم العود الشجي، وكصوت الهواء في صباح شتوي باكر كئيب.. صمت كدقات المطر على نافذة بيت وحيد.. كانتهاء الكلام.. كشريط من الذكريات.. وكشاطئ خال..  

الثلاثاء، 19 يونيو، 2012

كتابات عفوية 1: ذكريات ايرلندية



وأدتها طيلة الأعوام الثلاثة الماضية، وأدتها في ذاكرتي، تحت طبقات كثيفة من كل ما أعرف، وكل ما أذكر، وكل ما أشعر به في هذه الدنيا، فبدت وكأنها غير موجودة، وكلما أردت استحضارها فجأة، أجد سواداً يملأ عقلي ولا أذكر شيئاً، ربما جزء من بيت عشت فيه، طيف من خضار، لكن لا شيء أكثر. ولا كأني كبرت على هذه الجزيرة الكبيرة، أو أني وعيت على الدنيا هناك، ولا كأني تعرفت على معنى المطر، ومعنى اللون الأخضر، ومعنى الموسيقى، ومعنى بلادي التي تركتها، ومعنى الغربة والناس وحكاياتهم هناك، ولا كأني أمضيت سبعة أعوام من عمري في ايرلندا، أعوام المراهقة، أعوام تفتح العيون على العالم، في هذا البلد الأخضر، قطعة الزمرد التي تتزين بها أوروبا على جانب رأسها الأيسر.. 

وأدت ايرلندا فظننت أني نسيتها ولم أعد أتكلم عنها، أو عن أي شيء يربطني بها، وكنت أنسى أحياناً أني عشت هناك، أو أتناسى، ولا تأتي ببالي إلا نادراً، وأستغرب من أصدقائي الذين يفاجئوني بقولهم: هل كنت تعيشين في الخارج فعلاً؟! .. فأستغرب أني لم أخبر الكثيرين بالأمر.. ولا أعرف هل كان بدافع غضبي تجاه ايرلندا - لأني كنت (وخاصة في العام الأخير) أريد تركها بأي شكل - أم كان بدافع الرغبة المستميتة في الاندماج في مجتمع خفت أن يرفضني، فرفضت أن أفصح له عن كل ما عندي، وادعيت أني لا أختلف كثيراً عن الباقين، أم هل لأني لم أجد لها حيزاً مهماً في حياتي.. ايرلندا..

لكني ولسبب ما اليوم، سمعت مقطوعة ايرلندية فوجدتني - دون سابق إنذار - أتوقف عن الزمن لحظة، أشعر بعضلات عقلي وكأنها تنفك، تنفرج عن شيء حبس داخلها طويلاً، وذاب قلبي وسال وكأنه يتدفق حنيناً .. حنيناً كبيراً عنيفاً يحتج على ذات العقل اليابس التي حبسته ومنعته عن مكان هو - لا إرادياً - يرتبط به. ولا أعرف لماذا ظهر نذير مفاجئ في عقلي، نذير قديم، أعرفه منذ الطفولة، يقول لي وكأنه إحدى بطلات مسلسل شامي: يا عيب الشوم. كنت أرفض أن ارتبط عاطفياً بايرلندا وأهلها والمدن الأربع التي عشت فيها حياتي هناك، كنت أرفض أن أقول: ايرلندا هتوحشني... ربما صور لي عقلي آنذاك أني بذلك أخون هويتي المصرية، أو أواجه نفسي بحقيقة أني أحب هذا المكان الذي لطالما تمنيت أن أتركه لأعود إلى بلدي.. الذي لم أعش فيه في الحقيقة بقدر ما عشت خارجه.. ولا أعرف لماذا أتاني هذا النذير عندما كادت تدافع الدموع إلى عيني وأنا أسمع المقطوعة، وكنت أريد أن أضحك من نفسي: كم كنت مغفلة!

لم أكره هذه الجزيرة الخضراء أبداً، لم أكره هذه الموسيقى الرائعة أبداً، لم أكره المطر طيلة العام، والشواع الهادئة، والناس - الكثير منهم - الطيبين.. نعم، كنت أكره سكون الليل القاتل، السكون الذي كان يشعرني وكأن الدنيا انتهت، الذي كان ينفذ إلى أذني ليشعرني أن القيامة ستقوم لا محالة، كنت أرتعد في طفولتي من زمجرة زجاج نافذتي وقت العواصف الممطرة، لكني تعودت عليها، ونعم كنت أتلقى المضايقات - أنا وأمي والكثيرات من السيدات والرجال أيضاً - لأننا كنا مسلمات عربيات ومنا الكثيرات المحجبات.. وكنا قد ذهبنا إلى هناك بعد أحداث سبتمبر بعام واحد.. وكنت أكره الشهور الأولى، وكنت أكره التنقل كل عام، مدرسة جديدة كل عام، وبيت جديد، وشوارع جديدة.. وكنت لا أرتاح للبنات العربيات اللاتي كن أقرب لايرلندا من بلادهن، مني.. واليوم استغرب: فأنا لم تكن ظروفي مختلفة كثيراً عنهن، لقد عشت أيضاً كل حياتي خارج بلدي.. لكني - لسبب ما - ظللت متشبثة بها، بلغتها، بملبسها، بحياتها، كان لأمي وأبي دور كبير في هذا.. لكني أيضاً كنت أتشبث أكثر من اللازم.. أو أكثر من غيري.. ولا أعرف لماذا..

أذكر بعض الأيام في كاسلبار - مدينة استطعت فيها الاندماج مع مجموعة من البنات الايرلنديات - وكانت حلوة هذه الأيام. كنا نخرج من المدرسة في وقت الغداء كل يوم أربعاء، نرتدي معاطفنا ونخرج للمطعم الصغير المجاور، نطلب بطاطس بالكاري وبيبسي، وكانوا يبيعونا اياها بسعر خاص للطلبة: 2 يورو ونصف، وكنا نجد هناك طلاب مدرسة الصبيان، كان البنات يسترقن النظر لهم، لكنهم كانوا - بطبيعة الحال - لا يمثلون لي شيئاً، هؤلاء الشباب الايرلنديين.. ثم كنا نأخذ وجبتنا الساخنة ونمشي على أرجلنا حتى محل أهل ماري، كان محل لقطع الزينة المنزلية في وسط البلدة بالقرب من المدرسة، كنا نصعد إلى العلية في المحل ونأكل، نشاهد على الناس من الزجاج، ربما طلاب آخرين أو  بعض معلمينا خرجوا أيضاً وقت الغداء.. وكان في العلية بيانو نلعب عليه أحياناً ما تعلمناه في حصص الموسيقى.. غالباً كانت ماري هي التي تلعب.. وفي مرة أقمنا عيد ميلاد ميشيل هناك، شاركتنا اياه والدة ماري، أذكر أني كنت أضحك يومها كما لو أني شربت خمراً لتوي، وكانت ميشيل أيضاً تضحك كثيراً.. وكان لدى أهل ماري كلب صغير اسمه تشارلي.. كنت أخاف منه وكانوا يضعونه في غرفة أخرى عندما آتي.. ثم نعود للمدرسة.. وأحياناً كانت تمطر علينا في الطريق فنجري، وكانت مدرستنا على تل صغير، بجانب دير للراهبات وكانت هناك مساحات خضراء شاسعة على الجانبين.. كنا نجري ونجري.. ونصل مبتلات تماماً..

هنا في مصر لا أذكر عادة هذه الأشياء.. ولا أعرف لماذا..

الأحد، 3 يونيو، 2012

أهالي العباسية يؤيدون شفيق اعتراضاً على الاسلاميين


صورة من أحداث العباسة - مايو 2012

(ملحوظة: تقرير قبل يوم من النطق بالحكم على مبارك)

كتبت – ريم جهاد

"هننتخب أحمد شفيق بدمنا" قالتها أم أحمد بصوت عال وكررتها فسكت كل من وقف حولها في إحدى شوارع العباسية الجانبية، كانت أم أحمد قد نزلت إلينا تطالبني بالرحيل وتشير إلى عدد من وسائل الإعلام الذين تحدثوا إليها وجيرانها سابقاً ثم نشروا تقاريرهم يصفونهم فيها بالبلطجية، وسألت في إنفعال "احنا بلطجية؟!" وكانت تقف وسط الناس ترتدي جلباباً واسعاً، واسدالاً قصيراً بلون جلد النمر، وجهها أبيض تقاطيعه ناعمة رغم الانفعال.

أم أحمد لديها ابن أصيب أمام وزارة الدفاع فيما عرف بأحداث العباسية بداية الشهر الماضي، يقول جيرانها إن جسده يحمل حوالي ثلاثين قطعة "بلي" من طلق الخرطوش الذي تلقاه وقتها، يذهب للطبيب كل مدة ليستخرج القطعة منها بـ"75 جنيه"، ولذا – وكالكثيرين من أهالي العباسية – تقرر أم أحمد اختيار الفريق أحمد شفيق في انتخابات الإعادة الرئاسية ضد مرشح الإخوان المسلمين محمد مرسي الذي لا يؤيده الأهالي بعد "الرعب اللي عشناه في المظاهرات،" وبالنسبة إليهم فالتيارات الاسلامية على اختلافها بين السلفيين والإخوان وغيرهم واحد، ويطلقون عليهم جميعاً لقب "السنية." 

ومن بين المتجمعين حول أم أحمد كانت امرأة تربط طرحة بشكل عشوائي حول رأسها فيظهر شعرها مشعثاً من تحته، سمراء، حافية القدمين، مقطبة الجبين، عرفت نفسها بـ"أم محمد جمعة،" انتخبت حمدين صباحي أول مرة، وتؤيد شفيق في الإعادة لأنه "رجل صالح" وتتساءل كيف تتنتخب محمد مرسي "ويقولوا الحريم ماتخرجش؟ وماتشتغلش؟ أنا واحدة جوزي ميت ومعايا أيتام،" وتحكي أم محمد أنها لا تملك إلا 275 جنيه معاش شهري متسائلة "يكفوكي اسبوع؟"، وأنه كان لها محل فحم بالإيجار يجلب لها الرزق وبعدما مات زوجها منذ سبع سنوات أخذه منها أصحابه بحجة أن المحلات المؤجرة لا تورث، وتحكي أنها الآن تنبش في أكوام القمامة لتحصل على بعض "البلاستيك" و"العيش" لتبقى هي وأبنائها على قيد الحياة، وتؤكد أن شفيق سيصبح "رئيساً حقيقياَ لمصر" يصلح الأحوال. 

أما مايسة أحمد، بائعة خضروات، فتقول إنها لن تنتخب أحداً "احنا عيالنا ميتين، ابن أختي متوفي، وابن سلفة عمتي متوفي" في أحداث الثورة وأحداث العباسية الأخيرة، وتعلق بصوت عال "مش عايزين السنيين دول خالص، دول ناس مايعرفوش ربنا،" وتقول إنها شهدت أّسبوعاً من "العذاب" في أحداث العباسية ملقية باللوم على الاسلاميين قائلة إن الجيش لم يستخدم العنف وأن "السنيين هما اللي ضربوا" وتضيف "السنيين هما البلطجية،" وتسأل "لما يكون دقنه قد كده ويضربنا بالنار، يبقى ايه؟"

أما نبوية محمد، أرملة وربة منزل، لديها ثلاثة أبناء، وتحصل على معاش 80 جنيه شهرياً، فستنتخب شفيق "ليعدل الوطن ويعدل الناس ومايكررش المأساة اللي احنا فيها،" وتشكو نبوية من ضيق حال العيش وتتمنى أن تتحسن الأوضاع،  وتقول إنها لن تنتخب مرسي لأن "الصوت على أحمد شفيق، أنا ست جاهلة، بشوف الناس هتختار مين،" أما أختها سوسن علي، عاملة في شركة المصريين، فتقول إنها ستختار شفيق ليتحقق الأمان، وترفض اختيار الإخوان لأنهم سيجعلون مصر مثل إيران، في رأيها، كما استنكرت هي وزكريا الاسكندراني، سائق وأحد أقربائها، توزيع الإخوان "الزيت والسكر والبطاطس" معتبرين اياها رشوى واستهزاء بهم، كما قالوا إنهم نادمين على اختيارهم في الانتخابات البرلمانية.

ولم يكن رفض الاسلاميين هو السبب الوحيد لتأييد شفيق في العباسية فقد اختاره العديدون لرؤيتهم أنه سيكون حاكم صارم، فيقول عبد المجيد صالح، خضري، إنه سيختار شفيق لأنه "هيخلي البلد تلتزم بالخوف والرعب" حيث أن "الطيب مابينفعش، لازم يضرب بالكرباج" في رأيه، كما قال مينا بيشوي، عامل في محل عطارة، إنه سينتخب شفيق لأن الشعب المصري "شعب فرعون مش بييجي غير بالعصاية." 

وعلى إحدى المقاهي القريبة من مسجد النور جلس مجموعة من الرجال جميعهم يؤيدون شفيق، وأخرج أكبرهم سناً، وهو على المعاش، بطاقته الشخصية قائلاً إن اسمه محمد مرسي لكنه لن ينتخب إلا أحمد شفيق لأنه "رجل عسكري والبلد مش عايزة إلا العسكري،" ويعلق أشرف، صاحب مخبز افرنجي، إن الدولة المدنية لن تتماشى مع حال الشعب المصري الآن لأنه لا "يفهم معنى الديمقراطية،" ويشير إلى أحداث العباسية قائلاً إن ما حدث هو نتاج وجود مرشحين مدنيين لن يستطيعوا إدارة البلاد، ويستنكر أداء الأحزاب المختلفة قائلاً إنهم يثيرون البلبلة في الشارع المصري، وكل هدفهم "مصالحهم الشخصية،" فعلق محمد هاشم، صاحب محل أدوات كهربائية، "طب ليه ماتحدوش مع بعض وطلعوا واحد منهم يبقى رئيس؟" 

وناقشت المجموعة البلاغات والأحاديث التي انتشرت أخيراً عن مسئولية شفيق السياسية عن موقعة الجمل أثناء ثورة 25 يناير، وعن تورطه في قضايا فساد وإهدار للمال العام متسائلين "ليه بتيجو في أوقات حساسة جداً وتطلعوا حاجات زي دي؟ انتو كنتوا فين؟" مضيفين "ده بيخلينا نوصل إن الحاجات دي متلفقة." 

ويستبعد الناس ألا ينهض شفيق بمصر قائلين إنهم سيثورون ضده إذا لم يستجب لمطالب الشعب، ويعلق محمد حسين، موظف في البنك المركزي، إنه لابد أن يقوم الرئيس القادم باصلاحات في السنوات الأربع القادمة، ويقول هاني بومة، بصمجي، إن كان الشعب استطاع اسقاط مبارك وهو أكثر استبداداً في 18 يوم فإنه سيستطيع اسقاط شفيق أيضاً إن لم يرضى عنه الشعب، لكن يبدو أن هذا الرأي لا ينطبق عل الإخوان المسلمين في رأي الناس فيقول أحمد الجزار، صاحب محل نجارة، إنه خائف من إعطاء صوته للإخوان لأنهم لا يبقون على وعودهم، وأشار البعض إلى استحواذ الإخوان على كل السلطات في الدولة: البرلمانية والحكومية والرئاسية، وخلق حزباً وطنياً جديداً، قائلين إن شفيق لا يعتمد بالضرورة على فلول الحزب الوطني المنحل. 

 كما نفا الكثير من مؤيديه اعتداده بالمجلس العسكري أو النظام السابق، وقال هاشم، إن القوات المسلحة  قد تؤيد شفيق، لكنهم "لن يعطوه الأوامر،" إنما محمد مرسي "لن ينشق عن المرشد." 

لكن العباسية لم تخل أيضاً من تأييد لمرسي، قال الدكتور أحمد عفيفي، مدير مستشفى سابق، فسينتخب مرسي لأن شفيق ينتمي للنظام السابق وبالتالي فهو "لا يصلح" ولا يحقق مبدأ تداول السلطة، لكن مرسي يعتبر "جديد، وإن شابه عيوب،" لكنه خطوة تغيير، حسب عفيفي الذي أشار أيضاً إلى مشروع النهضة الجدير بالتجربة في رأيه. 

كما تقول نادية، عاملة نظافة في إحدى الشركات الخاصة، إنها ستنتخب مرسي لأنها تريد رئيساً "يتقي الله فينا،" مضيفة أن طبقات الشعب الكادحة هي أكثر من يعاني في الفترة الحالية، وأنها هي التي "ستضيع" إن رجعت البلاد إلى الوراء، موضحة أنها تعمل بعقد مؤقت وأنها ستصبح "في الشارع" إن فقدت عملها في أي وقت. 

أما محمد إبراهيم، صاحب محل دواجن، قال إنه سينتخب محمد مرسي لأنه يريد التغيير، لكن شفيق يعتبر استعادة لنظام مبارك، وبعد أن علق أصحاب المحلات القريبة منه بأنهم سينتخبون شفيق أضاف هامساً إنه يعلم أن شفيق "كان يذهب لسوق العبور ويشتري دواجن بقيمة ألف جنيه مثلاً في مقابل اسداء خدمة لأحد العاملين هناك" ويعلق "ازاي انتخب واحد زي ده بييجي على حقوق الغلابة؟" 

ويقول محمد، ميكانيكي، إن شفيق من النظام القديم، لكن الناس لا تعرف مرسي "فتعرفه،" ويقول إنه لم يدلي بصوته في الجولة الأولى "لأنه ماكنش في ثقة في حد"، وكان سيقاطع أيضاً انتخابات الإعادة لكنه عندما علم بالنتيجة قرر أن يختار صاحب المرجعية الدينية إذ كان اختياره بين "واحد مسلم، وواحد حليف اليهود" حسب قوله.  

كما تواجدت مجموعة من الشباب التي قررت أن تقاطع الانتخابات، يقول رامي أحمد، وهو لا يعمل، إنه انتخب صباحي أول مرة، لكن الآن صوت الشعب المصري كله "مش هيفرق" لأن النتيجة معروفة منذ وصول شفيق للإعادة، حسب قوله. 

السبت، 26 مايو، 2012

كارتر: أنصح الرئيس المصري القادم بوضع الجيش تحت سلطته المدنية

صورة أرشيفية من ندوة سابقة لكارتر في الجامعة الأمريكية
كتبت - ريم جهاد 


قال الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية جيمي كارتر إنه ينصح الرئيس المصري القادم بالاقتداء بالنموذج الأمريكي فيما يختص بوضع الجيش في البلاد، ففي رأيه، وطبقاً للنظام الأمريكي، يقوم الرئيس المدني المنتخب بإصدار القرارات، وما على الجيش إلا أن يخدم تحت قيادة الرئيس الذي يعد القائد العام للقوات المسلحة في البلاد. 

وعلى غرار النموذج الأمريكي أيضاً أوضح كارتر إنه لابد أن تناقش ميزانية الجيش في البرلمان مع استثناء وحيد وهو ما يتعلق بالمخابرات العسكرية لما فيها من قدر عال من السرية. 

وقال الرئيس الأسبق اليوم في الندوة التي عقدتها الجامعة الأمريكية بالقاهرة بتنظيم أحد مراكزها الدراسية وهو مركز جيرهارت للأعمال الخيرية والمشاركة المدنية، إن ذلك لا ينتقص من احترام الدولة أو المواطنين للجيش بل على العكس يظل للجيش مكانته في وجدان الشعب لما يقوم به من حماية للوطن. 

وفي ضوء مشاركة مركز كارتر للسلام وحقوق الانسان في المراقبة على انتخابات الرئاسة المصرية قال كارتر إن اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية في مصر تملك سلطات غير مسبوقة لم يرها في أية دولة في تاريخ عمله على مراقبة الانتخابات في مختلف بلاد العالم. 

وأبدى ضيقه قائلاً إنه لن يقبل هذا الوضع مجدداً أثناء عمله، وأشار إلى عدد من القيود التي فرضتها اللجنة على عمل مركز كارتر منها مثلاً منعهم من حضور عمليات الفرز في اللجان العامة بعد نقلها من اللجان الفرعية، ومنعهم من التواجد لمتابعة التحضير للعملية الانتخابية في الشهور السابقة لأيام الاقتراع، وغيرها من القيود التي أثارت ضيق كارتر لكنه قال إنها لم تكن "ضربة قاتلة" للعملية الانتخابية. 

وفي هذا الصدد قال سعد الدين إبراهيم، أستاذ علم الاجتماع السياسي، ومدير مركز ابن خلدون للدراسات الانمائية الذي شارك أيضاً في المراقبة على الانتخابات، قال إن هذا التحفظ من جهة السلطات المصرية أمر موروث وطبيعي في ظل "ارادتهم على السيطرة على كل شيء وحدهم" لكنه أشار إلى أن المراقبة الدولية، وخاصة مركز كارتر لما يحمله من مكانة مديره في المجتمع الدولي، ملتزمة بتنفيذ كل تعليمات اللجنة العليا، أما المراقبين المحليين فقد اعتادوا "سخافات وتعقيدات البيروقراطية المصرية" ويشير إلى وجود خطط بديلة "فمثلاً من غير المسموح دخول اللجنة فنراقب من الخارج، وأيضاً من غير المسموح إذاعة أية بيانات قبل أن تذيع اللجنة العليا بيانها الرسمي لكننا كنا نتجاهل هذه القاعدة ونصدر تقريراً كل أربع ساعات."  

ومن ناحية أخرى نصح كارتر أيضاً الرئيس المصري القادم بالالتفات إلى حقوق الفلسطينيين، قائلاً إن الرئيس السابق حسني مبارك لم يتبنى قضيتهم، وكانت الدولة المصرية "مستعدة دائماً لاسقاط حقوق الفلسطينيين." 

كما قال كارتر معلقاً على معاهدة كامب ديفيد التي أدارها وأقرها عام 1978 مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات ورئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك مناحم بيجن، إن الطرف الاسرائيلي لم يف بالتزاماته في حماية حقوق الفلسطينيين وإن الولايات المتحدة الأمريكية لم تقف أمام اسرائيل كما كان يجب عليها أن تفعل، وأعرب كارتر عن تمنيه أن يتغير الموقف الأمريكي في المستقبل مضيفاً أنه يعتقد أنه لا يمكن للرئيس المصري المقبل إلا أن يجعل من مصر "بطلاً" مناصراً للحقوق الفلسطينية في المنطقة مشيراً أن التغيرات السياسية التي حدثت في مصر بعد انتفاضة 25 يناير لن تؤثر على مصر وحدها بل على العرب جميعاً. 

واستبعد تماماً أن تتخلى مصر عن معاهدة السلام مع اسرائيل. 

كما أشار كارتر إلى لقائه مساء أمس مع خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، قائلاً إنه قابله على الرغم من رفض الولايات المتحدة التفاوض مع الحركة، وأعرب عن تمنيه أن تشكل حكومة فلسطينية تكنوقراطية عما قريب لا ينتمي أعضائها إلى حركة فتح أو حماس، قائلاً إن هذا قد يكون خطوة على طريق حل أزمة فلسطين الداخلية. 

وتحدث كارتر أيضاً عن أزمة منظمات المجتمع المدني الأخيرة قائلاً إنه يحق للدولة المراقبة على تمويل هذا النوع من المنظمات، وأشار أنه علم بمشروع قانون جديد سيقدم إلى البرلمان يحدد آليات عمل منظمات المجتمع المدني في مصر، وأنه من أكبر المؤيدين لهذا المشروع الإخوان المسلمين والسلفيين لأنهم أيضاً يريدون أن تعمل منظمات المجتمع المدني الخاصة بهم في إطار سليم. 

وعلق كارتر أيضاً على دور الشباب في الحياة السياسية في مصر قائلاً إن عليهم إدخال أنفسهم في الموقف السياسي وإن كان مرتبكاً، ولا يجب عليهم الاكتفاء بالمقاطعة أو التظاهر في ميدان التحرير، بل عليهم أن يحاوروا الفصائل السياسية المختلفة ومنها الإخوان المسلمين ومواجهتهم بأسئلة محددة عن مستقبل البلاد ومناقشتهم فيها ليصبحوا فاعلين في العملية السياسية في مصر.

الاثنين، 21 مايو، 2012

تأملات ورسائل من خلف النقاب



ريم بالنقاب في الجامعة الأمريكية
(الموضوع منشور في جريدة القافلة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة بتاريخ: 6 مايو 2012)

كتبت – ريم جهاد 

صعدت إلى اوتوبيس الجامعة في الخامسة عصراً، وقررت أن أجلس في أول كرسي، وحدي، على يساري السائق الأسمر العجوز، ومن أمامي السماء مفتوحة على مصراعيها، غارقة في نور الشمس التي ستودع الدنيا عما قريب. أسندت رأسي إلى الخلف، أغلقت عيني، وتركت النور يغمر وجهي هادئاً مرتاحاً. 

فقد كان مخفياً طيلة اليومين الماضيين خلف نقاب أسود ارتديته، فأصبحت شبه مخفية، ومارست يومي كطالبة عادية في أرجاء الجامعة، أحضر محاضراتي، أجلس في المكتبة، آكل في أماكن مختلفة، أتحدث إلى أصدقائي، وأزور سكرتيرة مكتب الكلية – كل أنشطة أي طالب عادي، ولكن من خلف من خلف النقاب الذي جعل أقرب أصدقائي لا يتعرفون عليّ.

لكني رأيت الجميع، وعرفت الجميع، وقد جعلني هذا أنسى ما يرى الناس مني في المقابل، وكنت أفاجئ كل مرة ألمح فيها نفسي على لوح زجاجي أو شاشة حاسوب سوداء. عرفني البعض من صوتي، وعرفني آخرون من يدي أو ساعتي فقد نسيت أن أشتري قفازات لـ"أسبك" هذه التجربة الاجتماعية التي قمت بها لجريدة (القافلة) لنعرف رد فعل مجتمع الجامعة الأمريكية تجاه وجود طالبة منتقبة بينهم. 

في صباح اليوم الأول صعدت إلى الاتوبيس وأنا في كامل حلة النقاب، شعرت بنظرات الناس الذين تربطني بأغلبهم علاقة جيدة، لكني لم أجرؤ أن أسلم على واحد منهم، أحسست بعيونهم المتفحصة وأنا أمشي في الممر في لحظات طويلة ثقيلة، وتبادر إلى ذهني كل ما اتوقعه من يومي الذي لم يبدأ بعد، وأردت أن أختفي. 

وعندما جلست أخيراً شعرت أن ما أقوم به هو أسوأ ما فعلته في حياتي، وكتبت رسالة إلى رئيسة تحرير (القافلة)، أخبرها بذلك، لكني الآن بعد أن خضت التجربة أستطيع القول أنها كانت من أفضل ما فعلته أبداً. 

على الأقل هناك شيء واحد قررته بعدها وهو أني سأبتسم لأي سيدة منتقبة أراها في الجامعة أو في أي مجتمع مشابه، سأبتسم لها حتى إن لم أرها تبادلني الابتسام لأني أعرف الآن نظرات التعالي ونظرات الاشمئزاز التي تتلقاها، وأعرف معاملة البعض لها، وبفضل زملائي في (القافلة) أعرف ما يقال عنها من وراء ظهرها أيضاً.

عندما وصلت إلى الجامعة وقفت في طابور انتظار التفتيش الأمني، وعيون الكثيرين تنظر لي في فضول، عندما أعطيت رجل الأمن بطاقتي الجامعية طلب مني الانتظار حتى تكشف على وجهي سيدة الأمن الواقفة على البوابة. وعندما وقفت معها على جنب قلت لها أني ريم، فهي تعرفني، فاحمر وجهها ورفعت كفها إلى فمها تسألني "انتي عملتيها؟!" فأومأت رأسي بالإيجاب وطلبت منها ألا تجعلني أرفع النقاب، فكنت أحس بالجميع يختلس النظرات إلينا، فجعلتني أذهب. 

لكني اضطررت إلى خوض تفتيش آخر وأنا أدخل إلى المكتبة على الرغم من أني أخبرتهم أن الأمن على البوابة فتشني قبل دخولي، لكنهم طلبوا من إحدى السيدات العاملات في مكتب الاستقبال الكشف عن وجهي، فأخذتني خلف أرفف الكتب وجاملتني قائلة أن وجهي جميل، ثم قالت وأنا أضع النقاب مرة ثانية "ربنا يكرمك يا رب." 

كانت محاضرتي الأولى هي التاريخ العربي مع دكتورة هدى السعدي، تنفست بعمق في طريقي إلى المحاضرة، وعندما وصلت أسندت يدي إلى هيكل الباب ونظرت إلى الطلاب في الداخل، لم يكونوا كثيرين، فدخلت ونظراتهم الدهشة تحاوطني، وعندما وصلت دكتورة هدى نظرت إليّ عدة مرات لكنها لم تعرف من أنا حتى  أخذت الحضور والغياب، ثم أكملت المحاضرة بشكل عادي، لكني كلما تحدثت نزل صمت مطبق على الجميع على الرغم من أني نفس الفتاة التي كانت تتحدث قبل ذلك في نفس الغرفة، مع نفس الأشخاص، عن نفس الموضوع. 

لاحقاً في كليتي – كلية الصحافة والإعلام – دفعتني سلمى سليم إحدى محرري (القافلة) على الدخول إلى رئيسة القسم مرفت أبو عوف، ودقت على باب مكتبها بينما كنت أحاول منعها قائلة "هي لا تعرفني، لا أعرف ماذا سأقول!" وعندما انفتح الباب اختفت سلمى، وكانت دكتورة أماني اسماعيل، مساعد رئيسة القسم، في الداخل فتذكرت أني أجريت حواراً مع دكتورة مرفت مؤخراً فقلت لها: "دكتور مرفت حضرتك مش فاكراني؟ أنا عملت حوار معكي للقافلة من كذا أسبوع." 

نظرت إليّ دكتورة مرفت في دهشة وقالت لي "لأ مش فاكراكي، شيلي النقاب،" فأغلقت دكتورة أماني الباب ورفعت النقاب لكنها لم تتذكرني، وعندما قلت لها أني أقوم بتجربة للقافلة حكت لي عن طالبة منتقبة كانت تدرسها في السابق قائلة إنها كانت تطلب منها أن تجلس في آخر قاعة المحاضرات وترفع النقاب عن وجهها، وعللت ذلك قائلة "كيف لي أن أعرف إذا كانت تفهمني أو لا؟ إذا كانت مستيقظة أو نائمة؟" وأضافت أبو عوف إن علاقتها كانت طيبة مع هذه الطالبة التي كانت محجبة في البداية ثم قررت أن تنتقب، لكنها كانت تحتاج أن تتواصل معها أثناء المحاضرة. 

في محاضرة الكتابة الصحفية أبدت الدكتورة رشا الابياري استغرابها وقلقها من ارتدائي للنقاب قائلة إنها لا تدعم النقاب لأكثر من سبب، أولاً هي أنها لا تشجع حق المنتقبة في رؤية كل شيء فيما تحرم هي الآخرين هذا الحق، كما قالت الدكتورة رشا إن النقاب ليس من الدين الاسلامي ويسبب الكثير من المصاعب للتي ترتديه فلا داعي لأن تعرض نفسها لهذا الوضع.

لكن المحاضرة التي كنت أنتظرها بفارغ الصبر كانت محاضرة "الكاتب والسلطة" مع الدكتور السيد فضل الذي كثيراً ما يبدي اختلافه مع "الاسلام السياسي." وكنت أتوقع أن يناقش الدكتور فضل موضوع النقاب في المحاضرة، وتخيلت سيناريو كامل توقعت أن يشارك فيه زملائي ذوي الخلفيات المتنوعة، فتخيلت لسعد الشاطر دوراً، ولمحمد، الذي كان كثيراً ما يدافع عن جهاز الداخلية لسبب لا أعرفه، وتوقعت أن تشارك مريم أبو غازي، وتوقعت أيضاً أن يشارك الثلاث فتيات اللاتي يجلسن دائماً في آخر صف ونسمع ضحكاتهن وسخريتهن تأتي من الخلف. 

لكن توقعاتي كلهاخابت، فعندما دخل دكتور فضل ورآني سألني إذا كنت طالبة جديدة، ولن أنسى عدد المرات التي قلت له فيها أنا وزملائي أني "ريم جهاد" وبدا على وجهه أنه لا يصدق، لكنه لم يقل شيئاً غير "هذا تطور جديد يا ريم" وأكمل المحاضرة بشكل طبيعي. 

أعطيت ورقة لصديقتي كتبت فيها "بس كده؟" فضحكت، وصممت أن أفتح الموضوع مجدداً فرفعت يدي لأعلق على عرض شفهي قام به أحد الزملاء، عندما بدأت بالحديث حاول مجموعة من الطلاب كتم ضحكاتهم فرفع الدكتور فضل يده في جدية وسكت الجميع، قلت تعليقي وانتهى الأمر. 

ذهبت بعد المحاضرة إلى الدكتور فضل وسألته ما إذا كان درس أي طالبة منتقبة في الجامعة الأمريكية قبل ذلك فقال "أبداً" وعندما سألته عن رأيه قال لي "هذه ليست أول مرة تعرفيني فيها يا ريم، لو أرادت ابنتي ارتداء النقاب لن أكون راضياً، لكني لن أمنعها." 

في طريق عودتي إلى مكتب تحرير (القافلة) قابلت صديقتي وزميلتي في الجريدة مارينا برسوم، وكانت بصحبة صديقة لها نظرت إلي باستغراب طيلة الوقت وأنا أتحدث مع مارينا، ولاحقاً حكت لي مارينا أن صديقتها كانت تشعر بالاشمئزاز وأنها لم تستسغ وجود طالبة منتقبة في الجامعة قائلة في سخرية "لذيذة هي قوي كده وسطينا." 

لكنها لم تكن الوحيدة، كنت أتلقى نظرات متعالية طيلة الوقت، ولاحظتها أكثر عندما اشتريت الطعام من "ترويقة" وتمشيت في أرجاء الجامعة أتناوله تحت النقاب. عندما كنت مع أصدقائي كان أصدقائهم يترددون في الحديث إليهم، عندما وقفت أمزح مع صديق لي في المكتبة كان هناك طالب جالس لا يعرفني ولا يعرفه وظل يسمع حديثنا في استغراب حتى التفت إليه وقال: هي عايزة ايه دي؟ 

في مكتب الكلية سألتني إحدى الموظفات ما إذا كنت قد تزوجت، وقالت لي إن غالبية صديقاتها اللاتي ارتدين الحجاب أو النقاب فعلوا ذلك تحت تأثير أزواجهم، بل أن صديق لي أخبرني بعدما تغلب على دهشته واستوعب الأمر أنه ظن أني تعرفت على شاب سلفي "لعب في دماغي."

وكنت قد ذهبت إلي كل محاضراتي بدون أن أتحدث مع أساتذتي قبلها، وفاجاءتهم في الصف، لكني قررت أن أذهب لأشرح الموضوع لأستاذ الفوتوغرافيا الدكتور روني كلوز الذي يقضي فصله الدراسي الأول في الجامعة وفي مصر، وكنت قد ذهبت إلى ميدان التحرير يوم الجمعة 27 أبريل لألتقط بعض الصور لمشروعي النهائي وتحدثت إلى الدكتور كلوز عن تعصب بعض السلفيين وعدم ترحبيهم بي، وطلب مني أن آخذ حذري.

ثم دقيت على باب مكتبه  في ذلك اليوم وأنا أرتدي النقاب. نظر إليّ وعرفني فوراً من صوتي، لكنه لم يبد الكثير من الدهشة مما أدهشني أنا – فلم يكن لدي خطة مسبقة لهذا الأمر.

قال لي ضاحكاً "هل اعتنقتي ديناً جديداً؟ هل أنتِ هكذا منذ الجمعة الماضية؟" 
لم أجد بداً من شرح الأمر له ببساطة وقد تقبله في هدوء.

لكن في المحاضرة ناقشتني العديد من الفتيات في قراري وحاولوا اقناعي بعدم ضرورة النقاب قائلين أشياء مثل "هل تعرفين أن لا أساس له في الاسلام؟" كما بدا لي أنهم ربطوا الأمر بانتشار الحركة السلفية في مصر، وأني قمت بشيء كانوا خائفات منه. 
كما شعرت أنهم توقعوا أن أكون عدائية تجاههم يعلقون سريعاً "ماتفهمينيش غلط" و"ماتضايقيش مني" و"أنا أسفة، أنا بسأل بس." 
عندما أخبرتهن بحقيقة الأمر في نهاية المحاضرة وضعت إحدى الفتيات يدها على صدرها وتنهدت بارتياح. 

في نهاية اليوم الثاني كنت قد أنهيت مهمة النقاب فغيرت ملابسي قبل أن أغادر الجامعة، لم أشعر أني أكثر حرية – كما كنت أتوقع أن أشعر – بل شعرت فقط أني عدت لأكون نفسي. 

لكن يجب عليّ أن أعترف أني لم أكن راضية عن عدم استطاعتي الابتسام في وجوه الناس، لأنهم لم يكونوا يروني من خلف النقاب، وكنت كلما رأيت أحد أعرفه أنادي عليه لأستطيع الحديث معه. 

كما شعرت بصعوبة في التنفس، وظل شعور يباغتني في اليوم الثاني برفع النقاب واستنشاق الكثير من الهواء أملأ به صدري، لكني لم أستطع، وأظن أن ذلك كان ما جعلني أشعر بالتعب الشديد في نهاية اليوم. 

على أية حال أنا أريد أن أشكر كل الفتيات اللاتي باركن لي، وشجعنني، واللاتي أيضاً دعونني إلى إجتماعات دينية، أنا أقدر ذلك جداً، ولكني أظن أنه لا ينبغي عليّ أن أرتدي النقاب ليتم دعوتي إلى لقاء ديني، فتغطية وجهي لا تثبت أي شيء عن مدى إيماني، كما أن كوني غير محجبة في حياتي العادية لا يعني أني لن أكون مهتمة بحضور لقاء من هذا النوع. 

ومن ناحية أخرى، ولكم جميعاً، لا يجب عليّ أن أبدو مثلكم لتصدرون حكماً عليّ بأني "مقبولة" بينكم.

الجمعة، 4 مايو، 2012

تحقيق: آثار الجامعة الأمريكية - الجزء 2


رئيسة الجامعة تعترف بالتقصير في حماية الآثار
ليزا أندرسون رئيسة الجامعة الأمريكية بالقاهرة
(المقال منشور في جريدة الـقـافـلـة الصادرة في الجامعة الأمريكية بتاريخ 29 أبريل 2012) 
- للنسخة الإنجليزية: http://bit.ly/JKIYzE

كتب – أحمد أبو العينين وريم جهاد 
صرحت رئيسة الجامعة ليزا أندرسون لـ(القافلة) أن عدداً من الأخطاء ارتكب في التعامل مع حادث سرقة الآثار من إحدى مخازن مقر الجامعة في التحرير في أواخر العام 2010.
 قالت أندسرون إن الجامعة كانت على العلم بأنه "لم يتم التعامل مع مخزن الآثار حيث وقعت السرقة باعتباره مسرح للجريمة كما كان ينبغي،" وأضافت أيضاً أن المتهمين "لم يحالوا مباشرة إلى قوات الشرطة المصرية كما كان من المفترض أن يحدث."
كما أعربت أندرسون عن تخوفها من وجود محاولات لإخفاء حادث السرقة برمته قائلة إنه "على ما يبدو ظن عدد من موظفي قطاع الأمن لدينا إنه من الممكن استعادة القطع المسروقة، وما أثار قلقي أكثر هو أن الأمر بدا جزء من محاولة لاخفاء السرقة بأكملها، أو بمعنى آخر اخفاء الفشل في اكتشاف الواقعة منذ البداية."
وكانت محاولات قطاع الأمن في استعادة القطع الأثرية المسروقة قد فشلت لأنها لم تكن بحوزة المتهمين بعد أن باعوها.
ولم تخف أندرسون إهمال موظفي الجامعة، خاصة مساعد مدير المستودعات والمخازن بالجامعة، رفاعي فتوح، وهو أمين عهدة الآثار والمسئول عنها مسئولية كاملة منذ العام 1994، لكنها قالت أنها اختارت في النهاية اعطائهم فرصة ثانية، وأضافت أنه لن يكون هناك أي تسامح مع وضع مماثل من الآن وصاعداً، موضحة أن الجامعة "حددت عدد من الموظفين الذين اخطروا بأن أي اهمال مماثل من جهتهم سيعتبر اهمالاً متعمداً لأن الجامعة نبهتهم."
في سياق متصل قالت أندرسون إن الجامعة استطاعت التوصل إلى أن هذه السرقات بدأت في صيف 2010، فيما تفيد أقوال المتهمين، بالإضافة إلى التحقيقات الرسمية، إلى أن مجموعة الرجال المدانين سرقوا القطع الأثرية في أكتوبر ونوفمبر 2010، وهو ما وردت تفاصيله في تحقيق خاص في عدد (القافلة) الأخير، لكن ما قالته أندرسون قد يدل إلى أنه كان هناك قطع أثرية مفقودة قبل دخول هؤلاء المتهمين إلى المخزن.
وبالفعل توضح تقارير الجرد الخاصة بالجامعة إنه كان هناك تسع قطع مفقودة عام 1989 كما يوجد محضر يحمل رقم 2643 في قسم عابدين يسجل الواقعة لكنه محفوظ ضد مجهول إذ لم يتم تحديد الجناة.
من هذه الناحية، وفي رد على الدلائل التي تشير إلى أنه قد تكون السرقة الأخيرة في 2010 استخدمت لاخفاء سرقات أثرية تمت في الماضي، خاصة وقد أفاد أكثر من مصدر موثوق به لـ(القافلة) إن الجرد السنوي من المجلس الأعلى للآثار لم يكن يتم بجدية كما ينبغي حيث لم تكن اللجنة تجرد القطع الأثرية بالفعل، في رد على ذلك قالت أندرسون إن الأمر ممكناً لكنها غير متأكدة، وعلقت بأنها لم تر أي دليل مادي يؤكد ذلك، ولكنه أمر غير مستبعد أن يكون هناك أشخاص سرقوا قطعاً أثرية وباعوها في على مدى السنوات.
قالت أندرسون "هذا الاستنتاج قابل للتصديق بنفس قدر مصداقية تفاصيل السرقة المحددة الأخيرة، وذلك نظراً لصعوبة سرقة القطع في مرة واحدة، ومن المعقول أنه يكون هناك عدة عمليات سرقة، ولكن ليس عندي أي فكرة عما إذا كان ذلك من سنين مضت."
وفي العام الأخير ظلت الجامعة غير مستقرة على ما إذا ستظل محتفظة بالآثار في مخازنها بالقاهرة الجديدة، أو إذا ستعيدها إلى المجلس الأعلى للآثار للتصرف فيها، بعدما أصبح خيار عرضها أمراً صعباً بعدما رفض المجلس الأعلى للآثار طلب الجامعة بعرض 5 قطع أثرية لأن القانون رقم 117 للعام 1983 لا يسمح إلا للجامعات المصرية بعمل متاحف أثرية للقطع التي تكون بحيازتها.
كانت الجامعة قد نقلت مجموعة الآثار من مكانها في مخزن تحت قاعة ايوارت في مقر الجامعة بالتحرير إلى مخازنها في مقرها في القاهرة الجديدة في ديسمبر 2011، وقال هشام عبد العزيز في حوار سابق وقتها إن الجامعة اتخذت هذا القرار لتجنب وقوع أي سرقات أخرى، وقد نقلت الآثار في سيارة بحضور رفاعي فتوح، ومستشار الجامعة عمرو سلامة، وممثل عن المجلس الأعلى للآثار، وقوات من الجيش.
يقول سلامة إن هذه الآثار "تحمل ثراث الشعب وثقافته، والجامعة لا تريد أن تخزن المجموعة بدلاً من عرضها وإفادة الناس بقيمتها الثقافية، ولذلك فالجامعة تسعى لعرضها للعامة."
من هنا أنشأت الجامعة لجنة الممتلكات الفنية لمراجعة وتسجيل كل ممتلكات الجامعة ذات قيمة فنية من قطع الآثار واللوحات الفنية وقطع الأثاث الفريدة، وغيرها، ومن مهمة اللجنة أيضاً تحديد ما يمكن عرضه من هذه الممتلكات.
قالت أندرسون في هذا الصدد إن مجموعة الآثار جزء "من تراث الجامعة كما هو جزء من تاريخ مصر، ولذا فنحن نود عرض المجموعة، خاصة وأن رئيس الجامعة الأسبق ريتشارد بدرسون توفي مؤخراً وكان هو من جمع الكثير من هذه القطع، ولذا فنحن نود إحياء ذكراه أيضاً بعرض هذه القطع."
ولكن بعدما رفض المجلس الأعلى للآثار طلب الجامعة في عرض 5 قطع لم يعد يمكن للجامعة إلا أن تخزن الآثار إذا قررت الاحتفاظ بها، وطبقاً لمصادر في إدارة الحيازة بالمجلس الأعلى للآثار يحق للدولة أن تستعيد المجموعة حيث أن إدارة الجامعة أهملت في تأمينها. 
أكدت أندرسون أن زاهي حواس، الرئيس السابق للمجلس الأعلى للآثار، كتب خطاباً للجامعة بعد السرقة مباشرة، مقترحاً نقل الآثار إلى مخزن في منطقة الفسطاط في القاهرة القديمة، ولكن أندرسون قالت إن الجامعة وقتها لم تكن حددت موقفها من قبول أو رفض هذا الاقتراح أو تسليم العهدة كاملة إلى السلطات المصرية.
والآن تعمل لجنة الممتلكات الفنية على جرد القطع وتحديد ما يمكن عرضه وما يمكن إعادته للمجلس الأعلى للآثار ولكن إن استمر رفض المجلس لعرض القطع في حرم الجامعة فسوف تسلم الإدارة المجموعة إلى المجلس.
إن مجموعة الآثار لا تعتبر ملكاً للجامعة الأمريكية بل هي في حيازتها تحت مراقبة المجلس الأعلى للآثار، كما أنها مسجلة في المجلس ومدونة بتفاصيلها في سجلات لدى الجامعة نسخة مطابقة منها، وكان ذلك في منتصف الثمانينات عندما صدر القانون رقم 117 الذي طالب كل شخص أو جهة تحصلوا على قطع أثرية بتسجيلها في المجلس الأعلى للآثار وعدم التصرف فيها.
المجموعة الأثرية في الجامعة منقسمة إلى مجموعتين: الأولى خاصة بالجامعة وتشمل حوالي 1400 قطعة، والثانية مسجلة تحت اسم السيدة كارما بيبن وهي أرملة أحد أساتذة الأدب الانجليزي الذين عملوا في الجامعة في السبعينيات، وكان يجمع القطع الأثرية في مصر، وفي العدد المقبل ستنشر (القافلة) تحقيقاً عن تفاصيل هذه المجموعات وتاريخ حصول الجامعة عليها.

الثلاثاء، 3 أبريل، 2012

سرقة آثار الجامعة الأمريكية

للنسخة الإنجليزية:
http://bit.ly/HgQbEE  



تحقيق: ريم جهاد وأحمد أبو العينين

(منشور في جريدة القافلة الصادرة عن طلاب الجامعة الأمريكية بالقاهرة بتاريخ 2 أبريل 2012)

على مدار ثلاثين عاماً حملت الجامعة الأمريكية بالقاهرة في إحدى مخازنها الخفية مجموعة من الآثار يرجع تاريخها إلى عصور مصر المختلفة، ولكن على الرغم من ذلك لم يكن يعرف أغلب الطلاب والأساتذة والعاملين بالجامعة شيئاً عن هذه المجموعة الأثرية، ولم ينكشف الستار عن وجودها إلا عندما سرق منها عدد من القطع في أواخر العام 2010 وانتشر الخبر في وسائل الإعلام.

ولمعرفة المزيد عن السرقة وعن الآثار التي ظلت خافية عن العيون في العقود الماضية قامت جريدة القافلة بتحقيق خاص في الأمر، ننشره على أربعة أجزاء.
 ________________

الجزء 1: هل كانت سرقة الآثار مؤامرة مدبرة؟

في هدوء وفي نهاية العام 2010 سرق عدد من القطع الأثرية التي كانت في حيازة الجامعة الأمريكية بالقاهرة وبيعت بعيداً عن عيون الجميع.

هذه الآثار، التي ليست ملكاً خالصاً للجامعة الأمريكية، مسجلة كاملة في المجلس الأعلى للآثار، وظلت مخفية في مخزن تحت قاعة إيوارت الشهيرة لمدة ثلاثين سنة قبل أن تكشف جريدة المستقلة في 28 مارس 2011 حادث سرقتها، والذي بعده نقلت مجموعة الآثار المتبقية كاملة إلى مقر الجامعة في القاهرة الجديدة في 19 ديسمبر 2011.

اكتشاف السرقة (مارس – مايو 2011): 
أوضحت رئيسة الجامعة ليزا أندرسون إنه تم تبليغ الجامعة بالسرقة عن طريق غير مباشرة حيث قالت: "لقد اكتشف الأمر عندما أبلغ شخص ما الجامعة أن هناك من يحاول بيع بعض من ممتلكات الجامعة، واكتشفنا بعدها أن بعض من الآثار قد سرق."

وكان المجلس الأعلى للآثار قد أصدر بياناً يوم 5 أبريل 2011 يقر فيه بالسرقة حيث أوضح: "إن المجلس قام بعملية جرد جديدة تبين بعدها فقد عدد 145 قطعة أثرية حقيقية و50 نموذج مقلد" من المجموعة الموجودة في حيازة الجامعة.

كما ذكر البيان أن هناك حادثة سرقة وقعت أيضاً عام 1989 لكن الجناة لم يعرفوا أو يحاكموا، وبالفعل توضح تقارير الجرد الخاصة بالجامعة  إنه كان هناك تسع قطع مفقودة عام 1989 كما يوجد محضر يحمل رقم 2643 في قسم عابدين يسجل الواقعة لكنه محفوظ ضد مجهول إذ لم يتم تحديد الجناة.

أما بالنسبة لسرقة العام 2012 فقد تم اتهام ستة رجال في البداية هم: عادل جابر، فرد من أمن الجامعة على البوابة، سمير عبد الله، فرد من أمن الجامعة في المرور الداخلي، ومحمود محمد، الشهير بمحمود فلفل، موظف بقسم السلامة والصحة المهنية، وحسام محمد، أخو محمود فلفل والذي لم يكن يعمل في الجامعة بل في صيدلية قريبة منها، وحسن إسماعيل، كهربائي في قسم الصيانة بالجامعة، وأحمد جاد، وهو كهربائي أيضاً في قسم الصيانة والشخص الذي أبلغ الجامعة بالسرقة.

لكن جاد لم يكن يعمل في الجامعة عندما أبلغ عن الواقعة حيث كان قد طلب منه كتابة استقالته في ديسمبر 2010 بعدما اتهمه فلفل بسرقة جهاز اللاب توب الخاصة به.

في 10 مايو 2010 صدر حكم بالإدانة على خمسة رجال في القضية رقم 77 للعام 2011 في القصاء العسكري بعدما غير القاضي القضية من كونها سرقة آثار إلى تهريب.

سبب هذا التغيير، الذي استند إلى قوانين القضاء العسكري، ليس واضحاً ولكن فلفل يعلق عليه قائلاً "إذا كانت القضية قضية تهريب، فمن الذي سرق؟"

حكمت المحكمة بالسجن خمس سنوات على جابر، عبد الله وفلفل بالإضافة إلى غرامة مالية قدرها خمس مائة ألف جنيه مصري، أما حسام محمد وحسن اسماعيل فقد حكم عليهم بالسجن ثلاث سنوات ولكن وقعت عليهم أيضاً غرامة مالية بقدر خمس مائة ألف جنيه.

لكن كان الحكم الصادر على حسن اسماعيل مع إيقاف التنفيذ إذ ثبت مع التحقيقات أنه غير مدان في عملية السرقة وأنه لم يفعل غير أنه أضاء مخزن الآثار لبقية الرجال، وأفرج عنه بعد النطق بالحكم، فيما اعتبر جاد شاهداً في القضية بعدما أمضى أكثر من 50 يوماً في السجن الحربي على ذمة التحقيقات، واسقطت الاتهامات ضده.

أما بقية الرجال فقد أفرج عنهم في الذكرى الأولى لثورة الخامس والعشرين من يناير عندما صدر عفو عن القضية ضمن قرار العفو الذي أصدره المشير حسين طنطاوي، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بهذه المناسبة.

تحقيقات الجامعة الداخلية (27 فبراير – 9 مارس 2011): 
 
في 27 فبراير 2011، قام جاد بتسليم اسطوانة مدمجة تحتوي على صور لقطع أثرية مسروقة من الجامعة لجمال عبده، مدير الصيانة في مبنى الجامعة بالتحرير، قائلاً إن عدداً من العاملين بالجامعة قاموا بسرقة هذه القطع، فقام عبده بالاتصال بهشام عبد العزيز، مساعد نائب رئيس المرافق، ومكتب الأمن في الجامعة، وبدأت تحقيقات داخلية بشأن الواقعة.

كان حسام أبو زيد، مدير المرور الداخلي في إدارة الأمن في الجامعة في التحرير، والذي يحمل نفس المنصب الآن في مقر الجامعة بالقاهرة الجديدة، والذي تسلم عمله في الجامعة في بداية ديسمبر 2010، المسئول عن هذه التحقيقات الداخلية.

استطاعت القافلة الحصول على بعض الوثائق الخاصة بهذه التحقيقات، وكانت واحدة منها التقرير الأولى الذي كتب بتاريخ 27 فبراير.
أرسلت نسخ من هذه التقرير إلى مختار رجب، مساعد مدير الأمن في مبنى الجامعة بالتحرير، ورفاعي فتوح، مساعد مدير المخازن، وأمين عهدة الآثار في الجامعة.

يذكر هذه التقرير إن رجب ومكتب الأمن عامة لم يكونوا على علم بوجود مجموعة أثرية في حرم الجامعة، كما يوضح التقرير إن أبو زيد، وعلي العربي، المدير التنفيذي لمكتب إدارة سلسلة التوريدات والدعم التجاري، وفتوح، وأشرف كمال، الذي كان مدير الأمن في الجامعة آنذاك، بعض العاملين في مكتب سلسلة التوريدات، وبعض العاملين في مكتب الأمن، قاموا بالنزول إلى مخزن الآثار حيث وجدوا عدة صناديق في ثلاث غرف، كل منها محاط بأسلاك حديدية.

يوضح التقرير إنه كانت هناك آثار يد وأقدام على الصناديق، كما كان هناك آثار محاولة غير تامة لفتح أحد الصناديق بالشنيور.
كما يشرح التقرير أن فتوح قام بتغيير الأقفال المخترقة  ووضع قفلين جديدين وتحفظ على مفاتيح أحدهم بينما بقي المفتاح الثاني مع مكتب الأمن. 

أكد فتوح هذا الأمر لجريدة القافلة وعند سؤاله عن هذا التدخل، وكونه عبث محتمل في مكان من الواضح أنه مسرح جريمة لم تتفقده الشرطة أو جهات التحقيق بعد، قال فتوح إن قرار دخول المخزن وتغيير الأقفال تسأل فيه إدارة الأمن وليس إدارته هو.

بعد ذلك بأسبوع، في 6 مارس 2011، قام كريم عبد اللطيف، مستشار الجامعة، ببعث رسالة إلى صبري عبد العزيز، رئيس قطاع الاثار المصرية، معلماً اياه "إن الجامعة الأمريكية لديها شكوك في احتمال حدوث سرقة لبعض القطع الأثرية الموجودة بحوزتها."

ولم تذكر الرسالة أن الجامعة كانت قد بدأت بالفعل تحقيقاتها الداخلية في الأمر بعدما وجه جاد في بلاغه أصابع الاتهام إلى عدة رجال عاملين في الجامعة، كما لم تذكر الرسالة أن المسئولين عن هذه التحقيقات في الجامعة تفقدوا المخزن تحت قاعة إيوارت ورتبوا المكان ووضعوا أقفال جديدة عليه.

كتب عبد اللطيف في الرسالة إن شكوك الجامعة سببها "وجود آثار عبث بأبواب المخازن" وطلب عبد اللطيف من عبد العزيز "الموافقة على تشكيل لجنة لجرد القطع الأثرية... للتأكد من صحة هذه الشكوك."

شكلت لجنة بالقرار الإدارة رقم 163 في 14 مارس 2011 لجرد القطع الموجودة في الجامعة، وكان يترأس هذه اللجنة عادل عبد الرحمن، مدير عام قطاع الحيازة في المجلس الأعلى للآثار، وكان المفترض أن يكون معه سبعة أعضاء آخرين، واحد منهم من مباحث الآثار، ولكن لم يكن هناك عضو من مباحث الآثار مع لجنة الجرد.

يشرح أبو النصر محمد سليمان، المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، ومحامي الدفاع عن فلفل وأخيه، في مذكرة مقدمة للنيابة العسكرية، إنه كان يتوجب قانوناً حضور ممثل من مباحث الآثار، وطالب ببطلان إجراءات اللجنة المشكلة من المجلس الأعلى للآثار لمخالفتها القانون الإداري رقم 163.

في هذه الأثناء كان مكتب الأمن في الجامعة مستمراً في إجراءاته حيث كان يحاول استرجاع القطع الأثرية المسروقة، طبقاً لمصادر موثوق فيها، لكن هذه المفاوضات لم تنجح إذ طلب الجناة أن يبقوا في وظائفهم، وقد أكد فتوح أن أبو زيد كان يتفاوض بالفعل معهم لاسترجاع القطع لكن دون جدوى.

طبقاً لتحقيقات الجامعة الداخلية وجه جاد الاتهام إلى جابر وفلفل وعبد الله، ثم في مسائلة لاحقة أضاف حسن اسماعيل، وحسام، شقيق فلفل إلى قائمة المتهمين، لكنه أوضح أن اسماعيل لم يفعل شيئاً سوى إنارة المخزن للرجال الآخرين.

تفاصيل السرقة: حكايات متضاربة (أكتوبر – ديسمبر 2010): 
 
طبقاً لمصدر موثوق فيه، إن السرقة لم تتم على دفعة واحدة، حيث ذهب المتهمون إلى مخزن الآثار عدة مرات، يخرجون في كل مرة عدد قليل من القطع في حقائب الرياضة التي كانت معهم إذ كانوا يداومون على لعب الكرة في الجامعة في المساء.

أكد حسن اسماعيل هذه المعلومات قائلاً إن باقي المتهمين حكوها له أثناء وجودهم في السجن وقت التحقيقات، وأضاف أن لا علاقة له بالأمر حيث كان كل ما فعله أنه أضاء المخزن في أكتوبر 2010 بحكم عمله، وقال "كان يوم عملي في مناوبة المساء في الجامعة، اتصل محمود بورشة الكهرباء قائلاً إن هناك عطل، فذهبت إليه، كانت الغرفة مفتوحة وكانوا فيها لكنهم لم يتبينوا طريق أسلاك النور فأضأت المكان لهم وذهبت ليس أكثر، وحيث أنه كان هناك موظف من مكتب السلامة المهنية وفرد من الأمن، فأنا لم أسألهم بطبيعة الحال لماذا فتحتم هذه الغرفة أو شيء من هذا القبيل."

لاحقاً، قام الرجال بعرض القطع على أحد تجار الآثار الذي كان من المفترض أن يساعدهم في تسعيرها وبيعها، وكان هذا التاجر أحد معارف جاد، طبقاً لمصدر موثوق فيه، وقد أكد هذا الأمر حسن اسماعيل وجاد نفسه، حيث ذهب فلفل وعبد الله وجابر إلى بيت جاد ومعهم اسطوانة مدمجة عليها عدد من صور الاثار التي سرقوها وأعطوا نسخة من الصور لجاد، كما كان بحوزتهم حوالي عشرين قطعة فخارية، طالبين منه أن يساعدهم في العثور على شخص يساعدهم في بيعها، وقد اختاروا جاد على الأخص لأنه كان عضواً في الحزب الوطني الديمقراطي المنحل في حلوان، ولذا قد يستطيع الوصول إلى الشخص المطلوب.

أكد حسن اسماعيل هذا الأمر للقافلة لكنه اتهم جاد بالتواطئ مع الرجال في السرقة منذ البداية قائلاً إنه أخبر الرجال بالفكرة بعد معرفته بوجودها من فتوح، لكن فتوح أنكر معرفة جاد معرفة شخصية موضحاً أن كل ما يربطه به هو العمل فقط.

من ناحية أخرى، ينكر جاد هذه القصة تماماً ويحكي للقافلة حكاية أخرى للأحداث.

يقول جاد إن هؤلاء الرجال زاروه في بيته قائلين إنهم عثروا على مقبرة في البدرشين في الجيزة وأخرجوا منها قطع أثرية يريدون بيعها، فوافق جاد وأحضر أحد معارفه عن طريق الحزب الذي فحص الصور في 2 ديسمبر 2010 ولكن يقول جاد إنه في 4 ديسمبر قال له هذا الشخص – الذي لم يذكر اسمه – إنه تبين أن هذه القطع مسروقة من جهة علمية أجنبية، فاستنتج جاد أنها الجامعة الأمريكية بالقاهرة، فاتصل بجابر وقال له إنه يجب عليهم رد الآثار إلى الجامعة.

لكن جاد يقول إنه طلب منه كتابة استقالته في 6 ديسمبر 2010 بعدما اتهمه فلفل بسرقة اللاب توب الخاص به، وأبلغ مكتب الأمن بذلك، ويضيف جاد إن هذا الاتهام هو فعل كيدي من فلفل لارهاب جاد ضد ابلاغ الجامعة بسرقة الآثار، كما أنه أراد استرجاع صور الآثار التي أبقى جاد نسخة منها على الجهاز.

ويقول جاد إنه هدد إما أن يكتب استقالته أو يواجه تحقيقاً شرطياً خارج الجامعة، فكتب جاد استقالته وترك العمل.

لكن حسن اسماعيل ومصدر موثوق فيه، يشككون في صحة هذا الكلام ويرجحون أن سبب الخلاف الأساسي بين جاد وفلفل هو الاختلاف على تقسيم المال العائد من بيع القطع الأثرية.

تحدثت المستقلة مع فلفل الذي أنكر كلام حسن اسماعيل وجاد وقال إنه كان قد أضاع جهاز اللاب توب الخاص به، وأخبره احد زملاؤه أنه رأى الجهاز الذي يبحث عنه بحوزة جاد، فلما تأكد فلفل من الأمر توجه للإبلاغ في مكتب الأمن، وأوضح أنه لا تربطه علاقة شخصية مع جاد أو حتى جابر أو عبد الله، وأنكر أنه يعرف أي شيء عن وجود آثار في الجامعة.

وزادت القضية تعقيداً عندما قدم والد محمود وحسام فلفل، محمد محمود عبد الحميد، بلاغ (رقم ١١٨١٢ لسنة ٢٠١١) للنائب العام المستشار عبد المجيد محمود، يرجو رفع الظلم الذي لحق بولديه، كما اتهم فيه أبو زيد وفتوح بتلفيق القضية لولديه بمساعدة أحمد لاشين من قسم أمن عابدين، مشيراً إلى أن الشرطة لم تتفقد مسرح الجريمة.

وفي سياق متصل أوضح المحامي أبو النصر محمد سليمان، محامي فلفل، أن القضية كلها مبنية على أساس مذكرة قام باعدادها الأمن الداخلي ويقر فيها بأنه لا يعلم بوجود مخزن آثار في الجامعة.

أما عادل جابر وسمير عبد الله العاملين كافراد أمن في الجامعة لديهم نسختهم الخاصة من القصة.

يزعمون جابر وعبد الله أن أبو زيد جعلهم يوقعون على أوراق تحت حجة أنها إجراءات روتينية ووقعوا عليها بدون قرائها لثقتهم في مديرهم، لكنهم اكتشفوا لاحقاً أن هذه الأوراق تورطهم في سرقة الآثار.

طبقاً لهذه المستندات – التي حصلت القافلة على نسخة مها - يقول عبد الله وجابر إن أحمد جاد أخبرهم بوجود آثار تحت مبنى الجامعة الرئيسي في التحرير، و طلب منهم مساعدته هو ومحمود فلفل في سرقة عدداً منها، في مقابل الحصول على نسبة مالية من بيع الآثار.

لكن طبقاً للمكتوب في هذه المستندات، شعر عبد الله وجابر بالندم، وطالبا فلفل وجاد بإعادة المسروقات إلى الجامعة، وبعد نشوب خلاف بينهم الأربعة قرروا إبلاغ الجامعة مباشرة.

يشكك المحامي أبو النصر محمد سليمان في صحة هذه الوثائق قائلاً في مذكرته إنه "جرى العرف أثناء التحقيق أن يكتب محرر المحضر مكان الجريمة ودائرة الاختصاص التي تخصها سواء بالمحاضر المدنية او العسكرية" فيما يذكر عبد الله وجابر هذه التفاصيل من تلقاء أنفسهم وبترتيب صحيح دون أن يطلب منهم ذلك فيقول جابر رداً على سؤال عن تاريخ السرقة "الكلام ده حدث ما بين شهر 10 و11 سنة 2010 بمبنى الجامعة الرئيسي بميدان التحرير، دائرة قسم شرطة عابدين."

يلفت سليمان إلى أنه لا مجال لرجلين يدليان بشهادة أن يقولا ذلك بهذه الدقة، وهو ما يرجح أن الأقوال ليست أقوالهم، وأنهم بالفعل قاموا فقط بالإمضاء عليها.

بغض النظر عن قصص المتهمين المتضاربة هناك حقيقة واحدة باقية وهي أن هناك 145 قطعة أثرية سرقت من الجامعة، فكيف سرقت هذه القطع تحت عيون الجامعة؟ وكيف لم تكن مؤمنة بالشكل الكاف؟ ومن كان المسئول عن تخزينها؟

مسئولية الآثار
 
يتولى رفاعي فتوح، مساعد مدير المخازن في الجامعة، أمانة عهدة الآثار منذ العام 1994.

ويقول فتوح إنه لا يعرف الكثير عن السرقة أو القطع الأثرية موضحاً أنه يحضر عمليات الجرد مع المجلس الأعلى للآثار وينظم التقارير الخاصة بها، ولكن ليس له تعامل مباشر مع القطع نفسها، وقال للقافلة "أنا كالحارس على هذه الآثار، ليس أكثر."

ولكن هناك مذكرة من العام 1994 توضح أن فتوح هو المسئول المباشر عن أمن وسلامة هذه الآثار وأنه يحضر جميع عمليات الجرد في لجنة مشكلة من بعض العاملين في الجامعة مع ممثلي المجلس الأعلى للآثار، وتوضح المذكرة المؤرخة بتاريخ 16 نوفمبر 1994، إن فتوح تسلم العهدة من المجلس الأعلى للآثار بعد قيامهم بعملية جرد.

وكان علي العربي هو المسئول عن العهدة قبل تسليمها لفتوح عندما أصبح هو مديراً لمكتب إدارة سلسلة التوريدات، كما أن هو وفتوح قريبين حيث أنهما عديلين.

كان فتوح هو الوحيد الذي بحوزته مفاتيح مخزن الآثار، لكنه لم يسأل مباشرة في التحقيقات، خاصة في تحقيقات الجامعة الداخلية.
تقول أندرسون "نعم، لقد قمنا بتحقيق داخلي واستنتجنا أنه كان هناك إهمالاً واضحاً من العاملين في مبنى التحرير من الأمن ومن مراقبة المخازن، ولكننا لم نستنتج أنه كان إهمالاً متعمداً أو إجرامياً، فقمنا بتأنبيهم لكننا لم نزد على ذلك."

كما أوضحت أندرسون أن الإدارة شددت الاجراءات على تأمين المخزن بعد حدوث السرقة.

ولكن لم تكن هذه هي أول واقعة سرقة تحدث في الجامعة، حيث أوضح المجلس الأعلى للآثار وقوع سرقة سابقة عام 1989، الأمر المؤكد عليه في تقارير الجرد الخاصة في الجامعة التي تبين فقد 9 قطع في نفس العام، بالإضافة إلى محضر الشرطة رقم 2643 لعام 1989 الذي يسجل الواقعة ويحفظها ضد مجهول.

كان علي العربي هو المسئول عن الآثار في ذلك الوقت، لكنه، كما فتوح، يقول إنه لا يعرف الكثير من التفاصيل عن الآثار على الرغم من أن المذكرة المذكورة أعلاه توضح مسئوليته حتى العام 1994.

من المفترض أن المجلس الأعلى للآثار يقوم بعمليات جرد سنوية منتظمة، وطبقاً لتقارير المجلس فقد تمت عملية جرد في أبريل 2010، و5 فبراير 2009، و4 مارس 2008.

لكن مختار رجب، مساعد مدير الأمن، والذي يعمل بشكل رئيسي في مقر الجامعة بالتحرير، قال في التحقيقات إنه لم يكن لديه علم بوجود آثار في الجامعة.

في سياق متصل قال أشرف كمال، الذي كان مدير الأمن في الجامعة آنذاك، في إحدى جلسات المحكمة، نفس الشيء موضحاً إنه لم ير أبداً أي مفتشي آثار في الجامعة وأنهم إن كانوا يحضرون كان سيتبين ذلك في الدفاتر التي تسجل حضور أي شخص إلى الجامعة، وإن ذلك لم يحدث.

بالإضافة إلى ذلك، لمح أحد العاملين الموثوق فيهم في الجامعة، والذي يفضل عدم الكشف عن هويته، إن مفتشي الآثار لم يقوموا بتفتيش حقيقي على الآثار، وإنما كان الأمر في الغالب إجراءات ورقية.

عند سؤال فتوح عما قاله كمال في المحكمة قال فتوح إنه ليس لديه تعليق على هذا الكلام، وأن لديه وثائق تثبت حضور لجنة من المجلس الأعلى للآثار لجرد القطع الأثرية في الجامعة.

كما قال فتوح إنه لم يجد سبباً لاخبار كمال أو أي من العاملين في إدارة الأمن بوجود آثار في الجامعة، موضحاً إن هناك من هم أعلى منه في السلم الوظيفي، ولهم سلطات أكبر، وكان عليهم هم إخبار مكتب الأمن بشأن الآثار.

وعند سؤاله عما إذا كان طلب أبداً تأمين خاص للآثار قال إن الآثار "موجودة في حرم الجامعة، وأمن الجامعة مسئول عن كل شيء داخل أسوارها."