السبت، 26 مايو 2012

كارتر: أنصح الرئيس المصري القادم بوضع الجيش تحت سلطته المدنية

صورة أرشيفية من ندوة سابقة لكارتر في الجامعة الأمريكية
كتبت - ريم جهاد 


قال الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية جيمي كارتر إنه ينصح الرئيس المصري القادم بالاقتداء بالنموذج الأمريكي فيما يختص بوضع الجيش في البلاد، ففي رأيه، وطبقاً للنظام الأمريكي، يقوم الرئيس المدني المنتخب بإصدار القرارات، وما على الجيش إلا أن يخدم تحت قيادة الرئيس الذي يعد القائد العام للقوات المسلحة في البلاد. 

وعلى غرار النموذج الأمريكي أيضاً أوضح كارتر إنه لابد أن تناقش ميزانية الجيش في البرلمان مع استثناء وحيد وهو ما يتعلق بالمخابرات العسكرية لما فيها من قدر عال من السرية. 

وقال الرئيس الأسبق اليوم في الندوة التي عقدتها الجامعة الأمريكية بالقاهرة بتنظيم أحد مراكزها الدراسية وهو مركز جيرهارت للأعمال الخيرية والمشاركة المدنية، إن ذلك لا ينتقص من احترام الدولة أو المواطنين للجيش بل على العكس يظل للجيش مكانته في وجدان الشعب لما يقوم به من حماية للوطن. 

وفي ضوء مشاركة مركز كارتر للسلام وحقوق الانسان في المراقبة على انتخابات الرئاسة المصرية قال كارتر إن اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية في مصر تملك سلطات غير مسبوقة لم يرها في أية دولة في تاريخ عمله على مراقبة الانتخابات في مختلف بلاد العالم. 

وأبدى ضيقه قائلاً إنه لن يقبل هذا الوضع مجدداً أثناء عمله، وأشار إلى عدد من القيود التي فرضتها اللجنة على عمل مركز كارتر منها مثلاً منعهم من حضور عمليات الفرز في اللجان العامة بعد نقلها من اللجان الفرعية، ومنعهم من التواجد لمتابعة التحضير للعملية الانتخابية في الشهور السابقة لأيام الاقتراع، وغيرها من القيود التي أثارت ضيق كارتر لكنه قال إنها لم تكن "ضربة قاتلة" للعملية الانتخابية. 

وفي هذا الصدد قال سعد الدين إبراهيم، أستاذ علم الاجتماع السياسي، ومدير مركز ابن خلدون للدراسات الانمائية الذي شارك أيضاً في المراقبة على الانتخابات، قال إن هذا التحفظ من جهة السلطات المصرية أمر موروث وطبيعي في ظل "ارادتهم على السيطرة على كل شيء وحدهم" لكنه أشار إلى أن المراقبة الدولية، وخاصة مركز كارتر لما يحمله من مكانة مديره في المجتمع الدولي، ملتزمة بتنفيذ كل تعليمات اللجنة العليا، أما المراقبين المحليين فقد اعتادوا "سخافات وتعقيدات البيروقراطية المصرية" ويشير إلى وجود خطط بديلة "فمثلاً من غير المسموح دخول اللجنة فنراقب من الخارج، وأيضاً من غير المسموح إذاعة أية بيانات قبل أن تذيع اللجنة العليا بيانها الرسمي لكننا كنا نتجاهل هذه القاعدة ونصدر تقريراً كل أربع ساعات."  

ومن ناحية أخرى نصح كارتر أيضاً الرئيس المصري القادم بالالتفات إلى حقوق الفلسطينيين، قائلاً إن الرئيس السابق حسني مبارك لم يتبنى قضيتهم، وكانت الدولة المصرية "مستعدة دائماً لاسقاط حقوق الفلسطينيين." 

كما قال كارتر معلقاً على معاهدة كامب ديفيد التي أدارها وأقرها عام 1978 مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات ورئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك مناحم بيجن، إن الطرف الاسرائيلي لم يف بالتزاماته في حماية حقوق الفلسطينيين وإن الولايات المتحدة الأمريكية لم تقف أمام اسرائيل كما كان يجب عليها أن تفعل، وأعرب كارتر عن تمنيه أن يتغير الموقف الأمريكي في المستقبل مضيفاً أنه يعتقد أنه لا يمكن للرئيس المصري المقبل إلا أن يجعل من مصر "بطلاً" مناصراً للحقوق الفلسطينية في المنطقة مشيراً أن التغيرات السياسية التي حدثت في مصر بعد انتفاضة 25 يناير لن تؤثر على مصر وحدها بل على العرب جميعاً. 

واستبعد تماماً أن تتخلى مصر عن معاهدة السلام مع اسرائيل. 

كما أشار كارتر إلى لقائه مساء أمس مع خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، قائلاً إنه قابله على الرغم من رفض الولايات المتحدة التفاوض مع الحركة، وأعرب عن تمنيه أن تشكل حكومة فلسطينية تكنوقراطية عما قريب لا ينتمي أعضائها إلى حركة فتح أو حماس، قائلاً إن هذا قد يكون خطوة على طريق حل أزمة فلسطين الداخلية. 

وتحدث كارتر أيضاً عن أزمة منظمات المجتمع المدني الأخيرة قائلاً إنه يحق للدولة المراقبة على تمويل هذا النوع من المنظمات، وأشار أنه علم بمشروع قانون جديد سيقدم إلى البرلمان يحدد آليات عمل منظمات المجتمع المدني في مصر، وأنه من أكبر المؤيدين لهذا المشروع الإخوان المسلمين والسلفيين لأنهم أيضاً يريدون أن تعمل منظمات المجتمع المدني الخاصة بهم في إطار سليم. 

وعلق كارتر أيضاً على دور الشباب في الحياة السياسية في مصر قائلاً إن عليهم إدخال أنفسهم في الموقف السياسي وإن كان مرتبكاً، ولا يجب عليهم الاكتفاء بالمقاطعة أو التظاهر في ميدان التحرير، بل عليهم أن يحاوروا الفصائل السياسية المختلفة ومنها الإخوان المسلمين ومواجهتهم بأسئلة محددة عن مستقبل البلاد ومناقشتهم فيها ليصبحوا فاعلين في العملية السياسية في مصر.

الاثنين، 21 مايو 2012

تأملات ورسائل من خلف النقاب



ريم بالنقاب في الجامعة الأمريكية
(الموضوع منشور في جريدة القافلة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة بتاريخ: 6 مايو 2012)

كتبت – ريم جهاد 

صعدت إلى اوتوبيس الجامعة في الخامسة عصراً، وقررت أن أجلس في أول كرسي، وحدي، على يساري السائق الأسمر العجوز، ومن أمامي السماء مفتوحة على مصراعيها، غارقة في نور الشمس التي ستودع الدنيا عما قريب. أسندت رأسي إلى الخلف، أغلقت عيني، وتركت النور يغمر وجهي هادئاً مرتاحاً. 

فقد كان مخفياً طيلة اليومين الماضيين خلف نقاب أسود ارتديته، فأصبحت شبه مخفية، ومارست يومي كطالبة عادية في أرجاء الجامعة، أحضر محاضراتي، أجلس في المكتبة، آكل في أماكن مختلفة، أتحدث إلى أصدقائي، وأزور سكرتيرة مكتب الكلية – كل أنشطة أي طالب عادي، ولكن من خلف من خلف النقاب الذي جعل أقرب أصدقائي لا يتعرفون عليّ.

لكني رأيت الجميع، وعرفت الجميع، وقد جعلني هذا أنسى ما يرى الناس مني في المقابل، وكنت أفاجئ كل مرة ألمح فيها نفسي على لوح زجاجي أو شاشة حاسوب سوداء. عرفني البعض من صوتي، وعرفني آخرون من يدي أو ساعتي فقد نسيت أن أشتري قفازات لـ"أسبك" هذه التجربة الاجتماعية التي قمت بها لجريدة (القافلة) لنعرف رد فعل مجتمع الجامعة الأمريكية تجاه وجود طالبة منتقبة بينهم. 

في صباح اليوم الأول صعدت إلى الاتوبيس وأنا في كامل حلة النقاب، شعرت بنظرات الناس الذين تربطني بأغلبهم علاقة جيدة، لكني لم أجرؤ أن أسلم على واحد منهم، أحسست بعيونهم المتفحصة وأنا أمشي في الممر في لحظات طويلة ثقيلة، وتبادر إلى ذهني كل ما اتوقعه من يومي الذي لم يبدأ بعد، وأردت أن أختفي. 

وعندما جلست أخيراً شعرت أن ما أقوم به هو أسوأ ما فعلته في حياتي، وكتبت رسالة إلى رئيسة تحرير (القافلة)، أخبرها بذلك، لكني الآن بعد أن خضت التجربة أستطيع القول أنها كانت من أفضل ما فعلته أبداً. 

على الأقل هناك شيء واحد قررته بعدها وهو أني سأبتسم لأي سيدة منتقبة أراها في الجامعة أو في أي مجتمع مشابه، سأبتسم لها حتى إن لم أرها تبادلني الابتسام لأني أعرف الآن نظرات التعالي ونظرات الاشمئزاز التي تتلقاها، وأعرف معاملة البعض لها، وبفضل زملائي في (القافلة) أعرف ما يقال عنها من وراء ظهرها أيضاً.

عندما وصلت إلى الجامعة وقفت في طابور انتظار التفتيش الأمني، وعيون الكثيرين تنظر لي في فضول، عندما أعطيت رجل الأمن بطاقتي الجامعية طلب مني الانتظار حتى تكشف على وجهي سيدة الأمن الواقفة على البوابة. وعندما وقفت معها على جنب قلت لها أني ريم، فهي تعرفني، فاحمر وجهها ورفعت كفها إلى فمها تسألني "انتي عملتيها؟!" فأومأت رأسي بالإيجاب وطلبت منها ألا تجعلني أرفع النقاب، فكنت أحس بالجميع يختلس النظرات إلينا، فجعلتني أذهب. 

لكني اضطررت إلى خوض تفتيش آخر وأنا أدخل إلى المكتبة على الرغم من أني أخبرتهم أن الأمن على البوابة فتشني قبل دخولي، لكنهم طلبوا من إحدى السيدات العاملات في مكتب الاستقبال الكشف عن وجهي، فأخذتني خلف أرفف الكتب وجاملتني قائلة أن وجهي جميل، ثم قالت وأنا أضع النقاب مرة ثانية "ربنا يكرمك يا رب." 

كانت محاضرتي الأولى هي التاريخ العربي مع دكتورة هدى السعدي، تنفست بعمق في طريقي إلى المحاضرة، وعندما وصلت أسندت يدي إلى هيكل الباب ونظرت إلى الطلاب في الداخل، لم يكونوا كثيرين، فدخلت ونظراتهم الدهشة تحاوطني، وعندما وصلت دكتورة هدى نظرت إليّ عدة مرات لكنها لم تعرف من أنا حتى  أخذت الحضور والغياب، ثم أكملت المحاضرة بشكل عادي، لكني كلما تحدثت نزل صمت مطبق على الجميع على الرغم من أني نفس الفتاة التي كانت تتحدث قبل ذلك في نفس الغرفة، مع نفس الأشخاص، عن نفس الموضوع. 

لاحقاً في كليتي – كلية الصحافة والإعلام – دفعتني سلمى سليم إحدى محرري (القافلة) على الدخول إلى رئيسة القسم مرفت أبو عوف، ودقت على باب مكتبها بينما كنت أحاول منعها قائلة "هي لا تعرفني، لا أعرف ماذا سأقول!" وعندما انفتح الباب اختفت سلمى، وكانت دكتورة أماني اسماعيل، مساعد رئيسة القسم، في الداخل فتذكرت أني أجريت حواراً مع دكتورة مرفت مؤخراً فقلت لها: "دكتور مرفت حضرتك مش فاكراني؟ أنا عملت حوار معكي للقافلة من كذا أسبوع." 

نظرت إليّ دكتورة مرفت في دهشة وقالت لي "لأ مش فاكراكي، شيلي النقاب،" فأغلقت دكتورة أماني الباب ورفعت النقاب لكنها لم تتذكرني، وعندما قلت لها أني أقوم بتجربة للقافلة حكت لي عن طالبة منتقبة كانت تدرسها في السابق قائلة إنها كانت تطلب منها أن تجلس في آخر قاعة المحاضرات وترفع النقاب عن وجهها، وعللت ذلك قائلة "كيف لي أن أعرف إذا كانت تفهمني أو لا؟ إذا كانت مستيقظة أو نائمة؟" وأضافت أبو عوف إن علاقتها كانت طيبة مع هذه الطالبة التي كانت محجبة في البداية ثم قررت أن تنتقب، لكنها كانت تحتاج أن تتواصل معها أثناء المحاضرة. 

في محاضرة الكتابة الصحفية أبدت الدكتورة رشا الابياري استغرابها وقلقها من ارتدائي للنقاب قائلة إنها لا تدعم النقاب لأكثر من سبب، أولاً هي أنها لا تشجع حق المنتقبة في رؤية كل شيء فيما تحرم هي الآخرين هذا الحق، كما قالت الدكتورة رشا إن النقاب ليس من الدين الاسلامي ويسبب الكثير من المصاعب للتي ترتديه فلا داعي لأن تعرض نفسها لهذا الوضع.

لكن المحاضرة التي كنت أنتظرها بفارغ الصبر كانت محاضرة "الكاتب والسلطة" مع الدكتور السيد فضل الذي كثيراً ما يبدي اختلافه مع "الاسلام السياسي." وكنت أتوقع أن يناقش الدكتور فضل موضوع النقاب في المحاضرة، وتخيلت سيناريو كامل توقعت أن يشارك فيه زملائي ذوي الخلفيات المتنوعة، فتخيلت لسعد الشاطر دوراً، ولمحمد، الذي كان كثيراً ما يدافع عن جهاز الداخلية لسبب لا أعرفه، وتوقعت أن تشارك مريم أبو غازي، وتوقعت أيضاً أن يشارك الثلاث فتيات اللاتي يجلسن دائماً في آخر صف ونسمع ضحكاتهن وسخريتهن تأتي من الخلف. 

لكن توقعاتي كلهاخابت، فعندما دخل دكتور فضل ورآني سألني إذا كنت طالبة جديدة، ولن أنسى عدد المرات التي قلت له فيها أنا وزملائي أني "ريم جهاد" وبدا على وجهه أنه لا يصدق، لكنه لم يقل شيئاً غير "هذا تطور جديد يا ريم" وأكمل المحاضرة بشكل طبيعي. 

أعطيت ورقة لصديقتي كتبت فيها "بس كده؟" فضحكت، وصممت أن أفتح الموضوع مجدداً فرفعت يدي لأعلق على عرض شفهي قام به أحد الزملاء، عندما بدأت بالحديث حاول مجموعة من الطلاب كتم ضحكاتهم فرفع الدكتور فضل يده في جدية وسكت الجميع، قلت تعليقي وانتهى الأمر. 

ذهبت بعد المحاضرة إلى الدكتور فضل وسألته ما إذا كان درس أي طالبة منتقبة في الجامعة الأمريكية قبل ذلك فقال "أبداً" وعندما سألته عن رأيه قال لي "هذه ليست أول مرة تعرفيني فيها يا ريم، لو أرادت ابنتي ارتداء النقاب لن أكون راضياً، لكني لن أمنعها." 

في طريق عودتي إلى مكتب تحرير (القافلة) قابلت صديقتي وزميلتي في الجريدة مارينا برسوم، وكانت بصحبة صديقة لها نظرت إلي باستغراب طيلة الوقت وأنا أتحدث مع مارينا، ولاحقاً حكت لي مارينا أن صديقتها كانت تشعر بالاشمئزاز وأنها لم تستسغ وجود طالبة منتقبة في الجامعة قائلة في سخرية "لذيذة هي قوي كده وسطينا." 

لكنها لم تكن الوحيدة، كنت أتلقى نظرات متعالية طيلة الوقت، ولاحظتها أكثر عندما اشتريت الطعام من "ترويقة" وتمشيت في أرجاء الجامعة أتناوله تحت النقاب. عندما كنت مع أصدقائي كان أصدقائهم يترددون في الحديث إليهم، عندما وقفت أمزح مع صديق لي في المكتبة كان هناك طالب جالس لا يعرفني ولا يعرفه وظل يسمع حديثنا في استغراب حتى التفت إليه وقال: هي عايزة ايه دي؟ 

في مكتب الكلية سألتني إحدى الموظفات ما إذا كنت قد تزوجت، وقالت لي إن غالبية صديقاتها اللاتي ارتدين الحجاب أو النقاب فعلوا ذلك تحت تأثير أزواجهم، بل أن صديق لي أخبرني بعدما تغلب على دهشته واستوعب الأمر أنه ظن أني تعرفت على شاب سلفي "لعب في دماغي."

وكنت قد ذهبت إلي كل محاضراتي بدون أن أتحدث مع أساتذتي قبلها، وفاجاءتهم في الصف، لكني قررت أن أذهب لأشرح الموضوع لأستاذ الفوتوغرافيا الدكتور روني كلوز الذي يقضي فصله الدراسي الأول في الجامعة وفي مصر، وكنت قد ذهبت إلى ميدان التحرير يوم الجمعة 27 أبريل لألتقط بعض الصور لمشروعي النهائي وتحدثت إلى الدكتور كلوز عن تعصب بعض السلفيين وعدم ترحبيهم بي، وطلب مني أن آخذ حذري.

ثم دقيت على باب مكتبه  في ذلك اليوم وأنا أرتدي النقاب. نظر إليّ وعرفني فوراً من صوتي، لكنه لم يبد الكثير من الدهشة مما أدهشني أنا – فلم يكن لدي خطة مسبقة لهذا الأمر.

قال لي ضاحكاً "هل اعتنقتي ديناً جديداً؟ هل أنتِ هكذا منذ الجمعة الماضية؟" 
لم أجد بداً من شرح الأمر له ببساطة وقد تقبله في هدوء.

لكن في المحاضرة ناقشتني العديد من الفتيات في قراري وحاولوا اقناعي بعدم ضرورة النقاب قائلين أشياء مثل "هل تعرفين أن لا أساس له في الاسلام؟" كما بدا لي أنهم ربطوا الأمر بانتشار الحركة السلفية في مصر، وأني قمت بشيء كانوا خائفات منه. 
كما شعرت أنهم توقعوا أن أكون عدائية تجاههم يعلقون سريعاً "ماتفهمينيش غلط" و"ماتضايقيش مني" و"أنا أسفة، أنا بسأل بس." 
عندما أخبرتهن بحقيقة الأمر في نهاية المحاضرة وضعت إحدى الفتيات يدها على صدرها وتنهدت بارتياح. 

في نهاية اليوم الثاني كنت قد أنهيت مهمة النقاب فغيرت ملابسي قبل أن أغادر الجامعة، لم أشعر أني أكثر حرية – كما كنت أتوقع أن أشعر – بل شعرت فقط أني عدت لأكون نفسي. 

لكن يجب عليّ أن أعترف أني لم أكن راضية عن عدم استطاعتي الابتسام في وجوه الناس، لأنهم لم يكونوا يروني من خلف النقاب، وكنت كلما رأيت أحد أعرفه أنادي عليه لأستطيع الحديث معه. 

كما شعرت بصعوبة في التنفس، وظل شعور يباغتني في اليوم الثاني برفع النقاب واستنشاق الكثير من الهواء أملأ به صدري، لكني لم أستطع، وأظن أن ذلك كان ما جعلني أشعر بالتعب الشديد في نهاية اليوم. 

على أية حال أنا أريد أن أشكر كل الفتيات اللاتي باركن لي، وشجعنني، واللاتي أيضاً دعونني إلى إجتماعات دينية، أنا أقدر ذلك جداً، ولكني أظن أنه لا ينبغي عليّ أن أرتدي النقاب ليتم دعوتي إلى لقاء ديني، فتغطية وجهي لا تثبت أي شيء عن مدى إيماني، كما أن كوني غير محجبة في حياتي العادية لا يعني أني لن أكون مهتمة بحضور لقاء من هذا النوع. 

ومن ناحية أخرى، ولكم جميعاً، لا يجب عليّ أن أبدو مثلكم لتصدرون حكماً عليّ بأني "مقبولة" بينكم.

الجمعة، 4 مايو 2012

تحقيق: آثار الجامعة الأمريكية - الجزء 2


رئيسة الجامعة تعترف بالتقصير في حماية الآثار
ليزا أندرسون رئيسة الجامعة الأمريكية بالقاهرة
(المقال منشور في جريدة الـقـافـلـة الصادرة في الجامعة الأمريكية بتاريخ 29 أبريل 2012) 
- للنسخة الإنجليزية: http://bit.ly/JKIYzE

كتب – أحمد أبو العينين وريم جهاد 
صرحت رئيسة الجامعة ليزا أندرسون لـ(القافلة) أن عدداً من الأخطاء ارتكب في التعامل مع حادث سرقة الآثار من إحدى مخازن مقر الجامعة في التحرير في أواخر العام 2010.
 قالت أندسرون إن الجامعة كانت على العلم بأنه "لم يتم التعامل مع مخزن الآثار حيث وقعت السرقة باعتباره مسرح للجريمة كما كان ينبغي،" وأضافت أيضاً أن المتهمين "لم يحالوا مباشرة إلى قوات الشرطة المصرية كما كان من المفترض أن يحدث."
كما أعربت أندرسون عن تخوفها من وجود محاولات لإخفاء حادث السرقة برمته قائلة إنه "على ما يبدو ظن عدد من موظفي قطاع الأمن لدينا إنه من الممكن استعادة القطع المسروقة، وما أثار قلقي أكثر هو أن الأمر بدا جزء من محاولة لاخفاء السرقة بأكملها، أو بمعنى آخر اخفاء الفشل في اكتشاف الواقعة منذ البداية."
وكانت محاولات قطاع الأمن في استعادة القطع الأثرية المسروقة قد فشلت لأنها لم تكن بحوزة المتهمين بعد أن باعوها.
ولم تخف أندرسون إهمال موظفي الجامعة، خاصة مساعد مدير المستودعات والمخازن بالجامعة، رفاعي فتوح، وهو أمين عهدة الآثار والمسئول عنها مسئولية كاملة منذ العام 1994، لكنها قالت أنها اختارت في النهاية اعطائهم فرصة ثانية، وأضافت أنه لن يكون هناك أي تسامح مع وضع مماثل من الآن وصاعداً، موضحة أن الجامعة "حددت عدد من الموظفين الذين اخطروا بأن أي اهمال مماثل من جهتهم سيعتبر اهمالاً متعمداً لأن الجامعة نبهتهم."
في سياق متصل قالت أندرسون إن الجامعة استطاعت التوصل إلى أن هذه السرقات بدأت في صيف 2010، فيما تفيد أقوال المتهمين، بالإضافة إلى التحقيقات الرسمية، إلى أن مجموعة الرجال المدانين سرقوا القطع الأثرية في أكتوبر ونوفمبر 2010، وهو ما وردت تفاصيله في تحقيق خاص في عدد (القافلة) الأخير، لكن ما قالته أندرسون قد يدل إلى أنه كان هناك قطع أثرية مفقودة قبل دخول هؤلاء المتهمين إلى المخزن.
وبالفعل توضح تقارير الجرد الخاصة بالجامعة إنه كان هناك تسع قطع مفقودة عام 1989 كما يوجد محضر يحمل رقم 2643 في قسم عابدين يسجل الواقعة لكنه محفوظ ضد مجهول إذ لم يتم تحديد الجناة.
من هذه الناحية، وفي رد على الدلائل التي تشير إلى أنه قد تكون السرقة الأخيرة في 2010 استخدمت لاخفاء سرقات أثرية تمت في الماضي، خاصة وقد أفاد أكثر من مصدر موثوق به لـ(القافلة) إن الجرد السنوي من المجلس الأعلى للآثار لم يكن يتم بجدية كما ينبغي حيث لم تكن اللجنة تجرد القطع الأثرية بالفعل، في رد على ذلك قالت أندرسون إن الأمر ممكناً لكنها غير متأكدة، وعلقت بأنها لم تر أي دليل مادي يؤكد ذلك، ولكنه أمر غير مستبعد أن يكون هناك أشخاص سرقوا قطعاً أثرية وباعوها في على مدى السنوات.
قالت أندرسون "هذا الاستنتاج قابل للتصديق بنفس قدر مصداقية تفاصيل السرقة المحددة الأخيرة، وذلك نظراً لصعوبة سرقة القطع في مرة واحدة، ومن المعقول أنه يكون هناك عدة عمليات سرقة، ولكن ليس عندي أي فكرة عما إذا كان ذلك من سنين مضت."
وفي العام الأخير ظلت الجامعة غير مستقرة على ما إذا ستظل محتفظة بالآثار في مخازنها بالقاهرة الجديدة، أو إذا ستعيدها إلى المجلس الأعلى للآثار للتصرف فيها، بعدما أصبح خيار عرضها أمراً صعباً بعدما رفض المجلس الأعلى للآثار طلب الجامعة بعرض 5 قطع أثرية لأن القانون رقم 117 للعام 1983 لا يسمح إلا للجامعات المصرية بعمل متاحف أثرية للقطع التي تكون بحيازتها.
كانت الجامعة قد نقلت مجموعة الآثار من مكانها في مخزن تحت قاعة ايوارت في مقر الجامعة بالتحرير إلى مخازنها في مقرها في القاهرة الجديدة في ديسمبر 2011، وقال هشام عبد العزيز في حوار سابق وقتها إن الجامعة اتخذت هذا القرار لتجنب وقوع أي سرقات أخرى، وقد نقلت الآثار في سيارة بحضور رفاعي فتوح، ومستشار الجامعة عمرو سلامة، وممثل عن المجلس الأعلى للآثار، وقوات من الجيش.
يقول سلامة إن هذه الآثار "تحمل ثراث الشعب وثقافته، والجامعة لا تريد أن تخزن المجموعة بدلاً من عرضها وإفادة الناس بقيمتها الثقافية، ولذلك فالجامعة تسعى لعرضها للعامة."
من هنا أنشأت الجامعة لجنة الممتلكات الفنية لمراجعة وتسجيل كل ممتلكات الجامعة ذات قيمة فنية من قطع الآثار واللوحات الفنية وقطع الأثاث الفريدة، وغيرها، ومن مهمة اللجنة أيضاً تحديد ما يمكن عرضه من هذه الممتلكات.
قالت أندرسون في هذا الصدد إن مجموعة الآثار جزء "من تراث الجامعة كما هو جزء من تاريخ مصر، ولذا فنحن نود عرض المجموعة، خاصة وأن رئيس الجامعة الأسبق ريتشارد بدرسون توفي مؤخراً وكان هو من جمع الكثير من هذه القطع، ولذا فنحن نود إحياء ذكراه أيضاً بعرض هذه القطع."
ولكن بعدما رفض المجلس الأعلى للآثار طلب الجامعة في عرض 5 قطع لم يعد يمكن للجامعة إلا أن تخزن الآثار إذا قررت الاحتفاظ بها، وطبقاً لمصادر في إدارة الحيازة بالمجلس الأعلى للآثار يحق للدولة أن تستعيد المجموعة حيث أن إدارة الجامعة أهملت في تأمينها. 
أكدت أندرسون أن زاهي حواس، الرئيس السابق للمجلس الأعلى للآثار، كتب خطاباً للجامعة بعد السرقة مباشرة، مقترحاً نقل الآثار إلى مخزن في منطقة الفسطاط في القاهرة القديمة، ولكن أندرسون قالت إن الجامعة وقتها لم تكن حددت موقفها من قبول أو رفض هذا الاقتراح أو تسليم العهدة كاملة إلى السلطات المصرية.
والآن تعمل لجنة الممتلكات الفنية على جرد القطع وتحديد ما يمكن عرضه وما يمكن إعادته للمجلس الأعلى للآثار ولكن إن استمر رفض المجلس لعرض القطع في حرم الجامعة فسوف تسلم الإدارة المجموعة إلى المجلس.
إن مجموعة الآثار لا تعتبر ملكاً للجامعة الأمريكية بل هي في حيازتها تحت مراقبة المجلس الأعلى للآثار، كما أنها مسجلة في المجلس ومدونة بتفاصيلها في سجلات لدى الجامعة نسخة مطابقة منها، وكان ذلك في منتصف الثمانينات عندما صدر القانون رقم 117 الذي طالب كل شخص أو جهة تحصلوا على قطع أثرية بتسجيلها في المجلس الأعلى للآثار وعدم التصرف فيها.
المجموعة الأثرية في الجامعة منقسمة إلى مجموعتين: الأولى خاصة بالجامعة وتشمل حوالي 1400 قطعة، والثانية مسجلة تحت اسم السيدة كارما بيبن وهي أرملة أحد أساتذة الأدب الانجليزي الذين عملوا في الجامعة في السبعينيات، وكان يجمع القطع الأثرية في مصر، وفي العدد المقبل ستنشر (القافلة) تحقيقاً عن تفاصيل هذه المجموعات وتاريخ حصول الجامعة عليها.