‏إظهار الرسائل ذات التسميات خواطر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خواطر. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 16 يوليو 2012

أحن إلى الوجود


(مقال منشور ضمن ملف "الحنين" في مجلة الثقافة الجديدة - عدد يوليو 2012) 

لن أكذب وأقول أني أشعر بالحنين لطفولتي، عندما كان العالم صغيراً، جميلاً، ومفهوماً، أو أني أحن إلى أيام المدرسة، أو إلى حبي الأول، إلى عينيه السمراوتين تأخذاني في  دروب من الشمس لا نهاية لها، أو إلي قصص عشقي الطفولية، عندما عرفت غرامي بالأدب، فأغرمت بكل من درسوني الرواية والنقد والشعر أيام مراهقتي الأولى، أو أني أحن إلى بيتنا القديم، أو إلى غناء جدتي، أو الفطير المشلتت، أو إلى الركوب من الهرم إلى مصر الجديدة بعشرة جنيهات فقط.. قد أحن إليها جميعاً، لكني أحن، أكثر ما أحن دائماً، إلى وجودي.

 والوجود كلمة صعبة، حيرت الكثيرون على مر السنين، وتحيرني، وتتعبني لأني أحاول النفاذ إلى حقيقتي فتهرب مني ولا أجدها، بحثت عنها عندما قررت أن أعمل في الصحافة، فوجدت بعض منها، وبحثت عنها عندما قررت أن أبدأ دراسات في الأدب العربي، فوجدت البعض الآخر، وبحثت عنها عندما تمشيت في شوارع وسط البلد، وعندما اشتركت في جمعية خيرية، وعندما بكيت في السينما، وعندما صعدت جبل موسى، وعندما شعرت بفشلي في كل شيء، وعندما كتبت، وعندما نظرت ذات ليلة في المرآة فارتبكت إذ رأيت عينا أمي تطلان عليّ، بحثت كثيراً، لكني دائماً غير مكتملة.

أحن للشعور أني حقيقية، أني موجودة، وأن أشعر بنفسي، أن أشعر بيديّ حقاً، أن أنصت لصوتي يسري بداخلي فعلاً، أن أحس فجأة بأفكاري، أن أنفذ من جدران قلبي، وأشعر بكياني نفسه، أشعر به حراً بإرادته، وبنفسي تتلون بأعمق ذكرياتي، لكنه أمر نادر، ومخيف، فنحن نفضل دائماً أن نترك أنفسنا لبحور الأيام، ودهاليز الحياة، نظن أننا موجودون، وأننا نعيش كما يجب، ونرى الدنيا كما هي، لا نعي أننا نغرق في وهم لا نهاية له، فكم منا ينظر ملياً إلى نفسه في المرآة؟ أحياناً أشعر بشيء غريب عندما أنظر إلى نفسي ملياً لعدة دقائق، أحاول فهم أن هذا الجسد وهذه العيون هي "أنا".. وأشعر أني لم أرهم مطلقاً في حياتي من قبل، وأكتشف أني لم أكن موجودة، أني كنت أطير على سطح الحياة، منهمكة، مشغولة، لا أرى عمقها ولا أرى عمق نفسي.

ولا أعرف متى يتحقق هذا الإحساس الكامل بالوجود – هل بالحب؟ هل بالسفر؟ أم العزلة؟ أم الموت؟ ليس لدي إجابة، ولكني أعرف أني شعرت بشيء أنساني الدنيا وما عليها، وأشعرني بشيء ربما يشبه الوجود.

وهو إحساس يأسرني، لا أشعر به مكتملاً أبداً إلا في لحظات عابرة، وحينها أشعر بتهدم الكون من حولي، كأنه لم يكن، وأشعر بسكون دفين يغمرني، وأشاهد الناس كأني أتفرج عليهم من بعيد، ربما حدث ذلك في لحظة إيمان شديدة الخشوع، شديدة التجلي، نادرة، أو في دفقة حب نقية للدنيا، لكني غالباً أرتطم بوجودي في أقصى حالات الصخب..

في قاعة تنتفخ بالبشر، تضج بالموسيقى العالية، خشخشة الآلات، ودقات الطبول، نداءات الأوتار، وصوت يغني دون هوادة.. أياد تصفق، وعيون تتابع أنفسها، وتتابع الجميع، وتتابعني.. شفاه تبتسم، وعقول تنكب على نسج الحكايا، وحياكة الأماني، واللذات، وتهريب الصيحات، وتسجيل الذكريات، وتطييب الأحزان، وتزييف صور الحنق والخجل والنفاق.. أرجل تأتي وتذهب، وتقوم للرقص، وتتأهب للغياب، وتشير بالقلق، أو الطرب، ضحكة تلو الأخرى، نداء يشد نظرة، وكأس يذيب قلب.. وهناك وجود يراقب، وآخر يحيي كل شيء، ولا يراه أحد.. ثم يدخل رجل، يحمل تنورة ملونة حول وسطه، ويبدأ في الدوران، ويدور، ويدور، يتحرك في دوائر بلا نهاية، كأنه في عالم آخر، ولا يدور الصخب من حوله، يتلحف وجوداً قدسياً، عالياً، خاصاً، يأسرني، تتشبث عيوني بدوائره، تضمه تنورته بين أطرافها الطائرة المنحنية، وتدور، مرة، ومرة، ومرة أخرى، وأنا – فجأة – يدب في كياني الصمت، ويغرقني السكون.

وعندها – أو ربما تدريجياً – أرسو في مكان ما، لا أسمع شيئاً إلا دقات الطبول متواصلة، دئوبة، تئن مع القلب، تصعد مع الروح، لكنها ثابتة، غائرة في صلب الأرض، أسمع وأرى الألوان تتتالى، لون تلو الأخر، تذوب سوياً، ثم ربما لا أسمع، وأنهار، وتنهار الدنيا معي، تتكسر وتهوى ساقطة.. وأصبح ها هنا.. أخيراً..

أشعر بالصمت، بصغر الدنيا، بهدوء في القلب، وحزن غامر يفيض في الروح.. لكني لا أعرف ما هذا الشعور.. ولا أعرف من أنا.. غير أني أعرف أني لست شيئاً مما رأيته.. قد أكون حلماً في خيال أحدهم.. قد أكون شريط ذاكرة لامرأة ميتة.. أو امرأة أخرى تختبئ في أعماقي ولم أحررها بعد..

الخميس، 5 يوليو 2012

الصمت

أحياناً أتمنى لو كنت أستطيع كتابة الصمت الذي يملؤني في أيام كهذه.. لو أني أستطيع ترجمة العدم، واللا حياة.. والخواء.. ثقل الخواء.. الصمت، وتعاليه، وحزنه.. وقوته بلا منازع.. الصمت جائلاً في خاطري، متربعاً في عقلي، ساكناً في عيني، ونائماً في شفتي.. صمت لا ينادي، ولا يشير، ولا يجيب.. هو وحده ولا شيء آخر.. صمت كالذي ينتاب الشوارع فجأة إثر آذان الفجر.. وكالذي يأتي بعد الموت.. وكالذي ينفجر بين الناس في لحظات لا يجدي فيها الكلام.. صمت كنغم العود الشجي، وكصوت الهواء في صباح شتوي باكر كئيب.. صمت كدقات المطر على نافذة بيت وحيد.. كانتهاء الكلام.. كشريط من الذكريات.. وكشاطئ خال..  

الثلاثاء، 19 يونيو 2012

كتابات عفوية 1: ذكريات ايرلندية



وأدتها طيلة الأعوام الثلاثة الماضية، وأدتها في ذاكرتي، تحت طبقات كثيفة من كل ما أعرف، وكل ما أذكر، وكل ما أشعر به في هذه الدنيا، فبدت وكأنها غير موجودة، وكلما أردت استحضارها فجأة، أجد سواداً يملأ عقلي ولا أذكر شيئاً، ربما جزء من بيت عشت فيه، طيف من خضار، لكن لا شيء أكثر. ولا كأني كبرت على هذه الجزيرة الكبيرة، أو أني وعيت على الدنيا هناك، ولا كأني تعرفت على معنى المطر، ومعنى اللون الأخضر، ومعنى الموسيقى، ومعنى بلادي التي تركتها، ومعنى الغربة والناس وحكاياتهم هناك، ولا كأني أمضيت سبعة أعوام من عمري في ايرلندا، أعوام المراهقة، أعوام تفتح العيون على العالم، في هذا البلد الأخضر، قطعة الزمرد التي تتزين بها أوروبا على جانب رأسها الأيسر.. 

وأدت ايرلندا فظننت أني نسيتها ولم أعد أتكلم عنها، أو عن أي شيء يربطني بها، وكنت أنسى أحياناً أني عشت هناك، أو أتناسى، ولا تأتي ببالي إلا نادراً، وأستغرب من أصدقائي الذين يفاجئوني بقولهم: هل كنت تعيشين في الخارج فعلاً؟! .. فأستغرب أني لم أخبر الكثيرين بالأمر.. ولا أعرف هل كان بدافع غضبي تجاه ايرلندا - لأني كنت (وخاصة في العام الأخير) أريد تركها بأي شكل - أم كان بدافع الرغبة المستميتة في الاندماج في مجتمع خفت أن يرفضني، فرفضت أن أفصح له عن كل ما عندي، وادعيت أني لا أختلف كثيراً عن الباقين، أم هل لأني لم أجد لها حيزاً مهماً في حياتي.. ايرلندا..

لكني ولسبب ما اليوم، سمعت مقطوعة ايرلندية فوجدتني - دون سابق إنذار - أتوقف عن الزمن لحظة، أشعر بعضلات عقلي وكأنها تنفك، تنفرج عن شيء حبس داخلها طويلاً، وذاب قلبي وسال وكأنه يتدفق حنيناً .. حنيناً كبيراً عنيفاً يحتج على ذات العقل اليابس التي حبسته ومنعته عن مكان هو - لا إرادياً - يرتبط به. ولا أعرف لماذا ظهر نذير مفاجئ في عقلي، نذير قديم، أعرفه منذ الطفولة، يقول لي وكأنه إحدى بطلات مسلسل شامي: يا عيب الشوم. كنت أرفض أن ارتبط عاطفياً بايرلندا وأهلها والمدن الأربع التي عشت فيها حياتي هناك، كنت أرفض أن أقول: ايرلندا هتوحشني... ربما صور لي عقلي آنذاك أني بذلك أخون هويتي المصرية، أو أواجه نفسي بحقيقة أني أحب هذا المكان الذي لطالما تمنيت أن أتركه لأعود إلى بلدي.. الذي لم أعش فيه في الحقيقة بقدر ما عشت خارجه.. ولا أعرف لماذا أتاني هذا النذير عندما كادت تدافع الدموع إلى عيني وأنا أسمع المقطوعة، وكنت أريد أن أضحك من نفسي: كم كنت مغفلة!

لم أكره هذه الجزيرة الخضراء أبداً، لم أكره هذه الموسيقى الرائعة أبداً، لم أكره المطر طيلة العام، والشواع الهادئة، والناس - الكثير منهم - الطيبين.. نعم، كنت أكره سكون الليل القاتل، السكون الذي كان يشعرني وكأن الدنيا انتهت، الذي كان ينفذ إلى أذني ليشعرني أن القيامة ستقوم لا محالة، كنت أرتعد في طفولتي من زمجرة زجاج نافذتي وقت العواصف الممطرة، لكني تعودت عليها، ونعم كنت أتلقى المضايقات - أنا وأمي والكثيرات من السيدات والرجال أيضاً - لأننا كنا مسلمات عربيات ومنا الكثيرات المحجبات.. وكنا قد ذهبنا إلى هناك بعد أحداث سبتمبر بعام واحد.. وكنت أكره الشهور الأولى، وكنت أكره التنقل كل عام، مدرسة جديدة كل عام، وبيت جديد، وشوارع جديدة.. وكنت لا أرتاح للبنات العربيات اللاتي كن أقرب لايرلندا من بلادهن، مني.. واليوم استغرب: فأنا لم تكن ظروفي مختلفة كثيراً عنهن، لقد عشت أيضاً كل حياتي خارج بلدي.. لكني - لسبب ما - ظللت متشبثة بها، بلغتها، بملبسها، بحياتها، كان لأمي وأبي دور كبير في هذا.. لكني أيضاً كنت أتشبث أكثر من اللازم.. أو أكثر من غيري.. ولا أعرف لماذا..

أذكر بعض الأيام في كاسلبار - مدينة استطعت فيها الاندماج مع مجموعة من البنات الايرلنديات - وكانت حلوة هذه الأيام. كنا نخرج من المدرسة في وقت الغداء كل يوم أربعاء، نرتدي معاطفنا ونخرج للمطعم الصغير المجاور، نطلب بطاطس بالكاري وبيبسي، وكانوا يبيعونا اياها بسعر خاص للطلبة: 2 يورو ونصف، وكنا نجد هناك طلاب مدرسة الصبيان، كان البنات يسترقن النظر لهم، لكنهم كانوا - بطبيعة الحال - لا يمثلون لي شيئاً، هؤلاء الشباب الايرلنديين.. ثم كنا نأخذ وجبتنا الساخنة ونمشي على أرجلنا حتى محل أهل ماري، كان محل لقطع الزينة المنزلية في وسط البلدة بالقرب من المدرسة، كنا نصعد إلى العلية في المحل ونأكل، نشاهد على الناس من الزجاج، ربما طلاب آخرين أو  بعض معلمينا خرجوا أيضاً وقت الغداء.. وكان في العلية بيانو نلعب عليه أحياناً ما تعلمناه في حصص الموسيقى.. غالباً كانت ماري هي التي تلعب.. وفي مرة أقمنا عيد ميلاد ميشيل هناك، شاركتنا اياه والدة ماري، أذكر أني كنت أضحك يومها كما لو أني شربت خمراً لتوي، وكانت ميشيل أيضاً تضحك كثيراً.. وكان لدى أهل ماري كلب صغير اسمه تشارلي.. كنت أخاف منه وكانوا يضعونه في غرفة أخرى عندما آتي.. ثم نعود للمدرسة.. وأحياناً كانت تمطر علينا في الطريق فنجري، وكانت مدرستنا على تل صغير، بجانب دير للراهبات وكانت هناك مساحات خضراء شاسعة على الجانبين.. كنا نجري ونجري.. ونصل مبتلات تماماً..

هنا في مصر لا أذكر عادة هذه الأشياء.. ولا أعرف لماذا..

الاثنين، 2 يناير 2012

الـ Goodreads والذي منه


وأخيراً وجدت أن مشاركة الأصدقاء فيما أقرأ على موقع الكتروني يعنى بالقراءة بشكل رئيسي يحفزني جداً لاستعادة نشاطي والاقبال بنهم على الكتب التي أقتنيتها ولطالما أردت قراءتها، فهذا تماماً ما فعله بي موقع Goodreads الذي استفزتني قوائم الأصدقاء المختلفة فيه عما قرأوا، وما يقرأون حالياً، وما ينوون قراءته، فقمت بتحديث قوائمي على صفحتي الخاصة أنا الأخرى.. ثم غصت في صفحات الموقع.. أضع تعليق هنا وأرد على تعليق هناك، أقرأ نقداً هنا، ومثله يتكرر عند آخر، ثم أتابع تناقضاً بين مدح وذم عن كتاب جديد، وأكتشف كتباً أضمها لقائمة ما أريد أن أقرأ، ولكن من أكثر ما جذبني أيضاً كان إطلال الصفحة الرئيسية عندي بأخبار أصدقائي الجديدة عن مختلف ما يقرأون، ثم الشريط الجانبي الذي يذكرني كالصديق الوفي بما أقرأ حالياً ويسألني بهدوء (بحب، بعيون بريئة!) "تحديث؟" أو Update status فأدخل وأكتب رقم الصفحة التي وصلت إليها في الكتاب الذي أقرأه حالياً.. كما فعلت مع رواية "خارطة الحب" سابقاً هذا اليوم قبل أن أنهيها. 

(اضغط على الصورة لتكبيرها)
كنت كل يوم أتوق لتحديث رقم الصفحة ورؤية الشريط الداكن يزداد طولاً منذراً باقتراب النهاية.. وآه كم وددت لو أن تلك الرواية لم تنته، ولم أشعر بذلك إلا وأنا أقرأها في سريري بعد المغرب اليوم وأنظر أسفل الصفحة لأجد الرقم 694 (من أصل 702) يطل عليّ في سخرية.. أو إعتذار.. لم أعرف.. لم أصدق أني اقتربت من النهاية هكذا.. ولم أعد أنظر إلى أرقام الصفحات، وأخذت أقرأ كل كلمة بتأن، وعندما انتهيت، أعدت قراءة آخر جملة.. وتوقفت ثانية.. ثم تنهدت.. انتهت.. ووضعت علامة الكتاب (يا خواجات bookmark) وأغلقت الكتاب، ثم قلت لنفسي: حطتيها على ايه؟ الكتاب خلص.. فأخرجتها وابتسمت ثم ضممت الكتاب إلى صدري، كما أفعل عادة عندما أنهي كتاب أحبه (وعندما أحب العيش في الأفلام العربي).. وقمت أقرأ بعض ما كتب عنه نقداً أو رأياً.. ولم أعرف هل أبدأ كتاباً جديداً الليلة؟ أم أنتظر للغد حتى يهضم عقلي نهاية هذه الرواية البديعة (التي سأعيد قراءتها في يوم من الأيام).. وربما أشعر ببعض الخيانة لأني لا أريد ترك بيت أمل، ولا بيت البارودي، ولا حكاية آنا ولا قطعة النسجية التي احتفظت بها مبروكة، ولا أخبار الصحف ولا البيت الكبير في طواسي.. وأحياناً أشعر أن حياتي تختلط مع الرواية، فمنذ عدة أيام كنت مع أمي في سيارة تاكسي، في منتصف النهار، عائدات من زيارة عائلية في السيدة زينب، فدخل بنا السائق إلى عابدين، إذ كان القصر العيني مغلقاً على أثر أحداث مجلس الوزارء، دخل بنا من جانب متحف الفن الاسلامي، رأيت بيتاً بدا لي قديم جداً، محاط بسور، ثم لمحت سريعاً والسيارة تمشي لوحة مكتوب عليها شارع "سامي البارودي" .. للحظة قصيرة لم يأت ببالي سوى آنا ونتربورن: هل سارت في هذا الشارع؟ هل كان بيتها مع شريف البارودي قريب من هنا؟ (وأنا حقاً لا أعرف إن كانت هذه الشخصيات حقيقية فعلاً.. لكنها بدت لي كذلك) ثم كان سور طويل، سألت السائق عما وراءه فقال لي: الحرس الجمهوري. وكل ما يتملكني الآن هو أني أريد العودة إلى ذلك المكان.. 

لكن الآتي على قائمة قراءاتي على أية حال هو أربع روايات لمحمد البساطي - الذي لا أعرف عنه الكثير حقيقةً.. لكني سأقرأ له:
- بيوت وراء الأشجار
- جوع
- ليال أخرى
- دق الطبول
وربما قبل القراءة له يجدر بي أن أقرأ شيء عنه وعن رواياته، ولو أني قرأت أشياء بسيطة في السابق، وفتحت إحدى رواياته أقرأ الصفحة الأولى فوجدته يشدني بثبات إلى الداخل.. لكن أغلقت الكتاب على وعد أن أعود، وها أنا قد عدت - شكراً لـ Goodreads :)

الثلاثاء، 27 ديسمبر 2011

فلسفة الـ ALT + F4


كنت بتفرج على الفيديو ده لأشرف حمدي.. وقررت إني أعمل ليستة مشابهة للفكرة.. 
 مجرد تدوينة خفيفة.. 

لو عندي (ألت + فـ 4) في حياتي:

- كنت هقفل ماسبيرو
- وبالمرة أقفل راديو مصر والفراعين والأهرام (والأخبار والجمهورية)
- وكنت هقفل كلام تيتا اللي بتقولي "يا محطمة القلوب"
- وكنت هقفل الدائري.. عشان طويل وبايخ
- وكنت هقفل تتنيحتي في أول أيام الاجازة (قمة أيام الفراغ)
- وكنت هقفل بقي.. عشان ماكولش شيكولاته وشيبسي كتير (.. من توابع قمة أيام الفراغ)
- وكنت هقفله شخصياً. الحقود.
- وكنت هقفل اللي يقولي "أنا ست وعارفة حركات الستات، البنت دي كانت نازلة قاصدة تتعرى، ايه اللي ملبسها أزرق؟"
- وكنت هقفل أكاونت وائل عباس على تويتر (أو على الأقل الشتائم اللي بيقولها)
- وكنت هقفل كلمات "لم ولن" اللي واجعين بها دماغنا، و"ممنهجة" و"الايقاع" و"حرق" و"خارجية"..
- وكنت هقفل التافهين اللي بيعاكسوا
- وكنت هقفل الوضع اللي بيخليني مش عارفة أخرج براحتي وأحضر كل اللي عايزاه في أي وقت
- وكنت هقفل الناس اللي بتتكلم أثناء العروض/الحفلات وتعلق من غير سبب
- وكنت هقفل البنات التافهة اللي بتتخانق بتفاهة زيها
- وكنت هقفل الجدال لأجل الجدال
- والجدال في أمور فرعية
- والجدال بدون ثقافة
- والتمسك بالرأي المتعنت
- وكنت هقفل الصوت العالي 
- وكنت هقفل الزبالة في الشارع
- وكنت هقفل الجهل
- والظلم
- وكنت هقفل سلك الدفاية اللي بيلمس
- وكنت هقفل الموتوسيكلات كلها

بس بجد.. 

كنت هقفل القلق والتردد وأبقى بنت شديدة كده. في كل حاجة. 

أبقى بت شديدة كده، أخوف الناس، يهابوني، يعملولي حساب، ماحدش يقدر يقول لي كلمة، العيال تسمع اسمي تترعش، الراجل يقعد في بيتهم من المغرب لما يعرف إني نازلة الشارع، الست ماتستجراش توريني وشها. أشكمهم كده، مايقدروش حتى يفكروا فيا وهما لوحدهم في البيت. أمال ايه. وأغير اسمي: أخليه عبد الجبار عباس الضبع الشهير بالسفاح.. أو نظيمة العشماوي الشهيرة بنجمة البقشيش.

الأحد، 25 ديسمبر 2011

إذا كان ذنبي أن حبك سيدي..

 من أجمل ما سمعت في حياتي..
(اضغط على أسماء الشعراء لتتعرف أكثر عليهم - لم أكن أعرف أن الأغنية مؤلفة من أجزاء من قصائد لعدة شعراء.. وياله من مزج بديع..)

إذا كان ذنبي أن حبّك سيّدي.. فكل ليالي العاشقين ذنوب
أتوب إلى ربي وإني لمرة يسامحني ربي.. إليكِ أتوب..
(تأليف منصور الرحباني)


بروحي تلك الأرض ما أطيب الربى.. وما أحسن المصطاف والمتربعا
وأذكر أيام الحمى ثم أنثني على كبدي من خشية أن تصدعا..
 وليست عشيات الحمى برواجع إليك ولكن خلي عينيك تدمعا
 كأنا خلقنا للنوى وكأنما حرام على الأيام أن نتجمعا..

غدا منادينا محكمأً فينا يقضي علينا الأسى لولا تاسينا
يا جيرة بانت عن مغرم صب لعهده خانت من غيرما ذنب
ما هكذا كانت عوائد الحب
لا تحسبوا البعد يغير العهد إذ طالما غير النأي المحبين
 (تأليف صدرالدين ابن الوكيل - من موشحاته)

ولا قرب نعم إن دنت لك نافع.. ولا نأيها يسلي ولا أنت تصبر
إذا جئت فامنح  طرف عينيك غيرنا.. لكي يحسبوا أن الهوى حيث تنظر

يا شقيق الروح من جسدي أهوى بي منك أم ألم..
أيها الظبي الذي شرد تركتني مقلتاك سدى 
زعموا أني أراك غدا وأظن الموت دون غدي 
أين مني اليوم ما زعموا.. 
ادنُ شيئاً أيها القمر كاد يمحو نورك الخفر 
أدلال ذاك أم حذر يا نسيم الروح من بلدي 
خبر الأحباب كيف هم..

حامل الهوى تعب يستخفه الطرب
إن بكى يحق له، ليس ما به لعب..
كلما انقضى سبب منك عاد لي سبب
تعجبين من سقمي.. صحتي هي العجب..
تضحكين لاهية.. والمحب ينتحب..
(تأليف أبو نواس

يا غزالاً من كثيب أنت في حسن وطيب
يا قريب الدار ما وصلك مني بقريب..
يا حبيبي بأبي أنسيتني كل حبيب..
لشقائي صاغك الله حبيباً للقلوب..
يا حبيبي.. يا حبيبي..
(تأليف أبو نواس)

الأربعاء، 21 ديسمبر 2011

فعجبت، كيف يموت من لا يعشق؟


قابلت احدى صديقاتي أمس فسألتني: ريم، ليه بطلتي تكتبي في المدونة بتاعتك؟ .. فأجبتها بأنه ليس عندي ما يقال، خاصة وسط الأحداث السياسية التي تندلع كل يوم والتي تشغل الناس في المقام الأول، وأنا لا أكتب في السياسة.
ردت علي: لكن دي كانت أكتر حاجة بتعجبني، كنتِ بتخرجيني من جو السياسة. ثم التفتت إلينا صديقة أخرى وقالت لي: أنا كنت بتابعك، صحيح، بطلتي ليه؟
واليوم سألني صديق أيضاً عن جديد كتاباتي..
والحق أني لم أنقطع، بل أظنني أدمنت الكتابة في الأسبوعين الأخيرين، أنكب يومياً على تدوين حياتي، وأفكاري، ومشاعري، كلها، في سلسلة رسائل الكترونية أرسلها إلى نفسي، أحياناً عدة مرات في اليوم.. وأصبحت هذه هي طريقتي الجديدة في كتابة مذكراتي، فبعدما كنت أكتب في الأجندة البيضاء ذات الدب القطبي على غلافها، ثم الأجندة السوداء – التي لم أكتب بها الكثير – ثم الدفتر البني الكبير الذي كنت أهدي فيه كل يومياتي إلى أستاذ العلوم الذي كنت مغرمة به إلى أبعد حد في الإعدادية في ايرلندا، وبعد كتابة مجموعة مذكرات أخرى اقترح بعض الناس نشرها في كتاب قرر مصمم غلافه أن يعطيه اللون الزهري – الذي لا يعجبني اليوم – أصبحت أتوه بين ملفات "الوورد" على جهازي، وأمضي وقتاً أبحث عن الأوراق المتناثرة على مكتبي.. فقررت أن أنتفع بالـ"جي ميل" وأخصص مجموعة رسائل أكتب فيها كل يوم.
أحياناً تكون رسالتي طويلة، وأشعر بنهم لسرد كل تفاصيل يومي وأحاديثي مع بعض الأشخاص، وأحياناً لا أكتب عن نفسي مطلقاً، بل أضع أغنية مثلاً (وهذا من فوائد كتابة المذكرات على طريقة الـ"مالتي ميديا")، وأكتب بعض كلماتها، أو كل كلماتها وأظلل ما يعجبني منها، أحياناً أكتب أبيات من قصيدة.. وأحياناً أشتم، وأشكو، وأغضب، وأبكي..
والجميل في الأمر هو أني أكتب عن نفسي وحياتي بتفصيل، وهو أمر يتعذر فعله على المدونة، ولكني لم أكن أعرف أنه أمر هام لهذه الدرجة.. أو كنت أعرف، لكني لم أعطه حقه أبداً.. فمقدار الراحة التي أشعر بها رائع.. هدوء يطوف غير قلق في الذهن، وسكون يغمر القلب..
ومنذ بضعة أيام، ربما أمس، كتبت في رسالة منفردة بيت أبي الطيب المتنبي:
وَعَذَلْتُ أهْلَ العِشْقِ حتى ذُقْتُهُ . . . . . . . .  فعجبتُ كيفَ يَموتُ مَن لا يَعشَقُ
عندما قرأت هذا البيت أول مرة.. أو بالأحرى عندما سمعته، كنت أجلس في الطابق الأسفل في مكتبة الجامعة، أضع السماعات في أذني بعدما قررت بدون داع أن أكتب أسماء الشعراء الذين ذكرهم الأستاذ في محاضرة الأدب العربي ذلك اليوم، في محرك "اليوتيوب" وكأني سأجدهم يطلون عليّ بشحمهم ولحمهم، بصوتهم العميق، وعيونهم المسافرة في الصحراء..
 لم أجدهم، لكني – وربما لدهشتي – وجدت الكثير من المقاطع المسجلة بأداء غاية في الجمال للمعلقات ولمختلف القصائد العربية الشهيرة.. ووجدت مقطع اسمه "أرق على أرق" للمتنبي، جذبني العنوان وأخذت أسمع القصيدة، ولم ألبث كثيراً حتى رسا عندي هذا البيت.. فأعدت سماعه.. مرة.. ومرات.. حتى وقعت في غرامه.
ربما أنا مجنونة، ربما أنا إنسانة "مبالغ فيها" (وطبقاً لبعض العارفين باللغة فـ"إنسانة" كلمة لا وجود لها، لكني أحب الاحتفاظ بالتاء المربوطة.. وياليتهم لم يسموها "المربوطة".. لكن حتى شكلها للعين يبدو مربوطاً..) على أية حال، يمكن أنا بني آدمة مبالغ فيها، لكني حقاً وقعت في غرام هذا البيت: فعجبت، كيف يموت من لا يعشق؟ وكأن الموت، الموت الحقيقي، الذي لا يتحقق إلا بحياة حقيقية، لا يقتنص إلا أرواح العشاق، العشاق الذين يهز شغفهم كيان الكون.. الذين تتقد قلوبهم بمن يحبون، بما يحبون.. الذين يتنفسون حبهم، الذين يشطر حبهم روحهم نصفين، الذين يسكرهم حبهم، ويكسرهم، ويقتلهم ويحييهم.. الذين يعيشون على رمق هذا الحب إلى الأبد..
أنا لم أقع في غرام الرجل الذي سأشاركه عمري بعد.. ربما أقابله بعد ثلاثين عام.. أو عشرة.. أو ربما أنه هنا، وأنا لا أراه.. لا يهم..
وربما أن المتنبي كتب هذه الأبيات في حالة وجد أصابته بها امرأة ما وقع في شباك عينيها، لكنه بالتأكيد لم يكتب ذلك الشطر الثاني "وعجبت، كيف يموت من لا يعشق؟" فقط تعبيراً عن ولعه بتلك الحبيبة.. ففي هذه الكلمات القليلة ربما لخص هذا العبقري الوجود كله ..
الموت الحقيقي لا يقتنص إلا أرواح العشاق الحقيقيين.. والعشاق الحقيقيون ثائرون، حالمون، مثابرون.. ثائرون في الحلم، وفي المعنى، وفي المبدأ.. وفي العمل.. وفي العشق عندما يحين.. يعيشون الحياة، أو يعيشون ما يؤمنون به بكل جوراحهم.
وبينما تغني أم كلثوم في أذني الآن "خبيني من الزمان.. خبيني.. وبعيد عن عيونه داريني.." أشعر أنه ربما بجدر بها ألا تطلب من حبيبها أن يخبئها من الزمان، بل عليها أن تدرك العشق الذي سيغير الزمان كله..
عيشي بشغف.. فعجباً لكِ تخشين موتاً.. وهو نصف موت.. لأنك لا تعيشين الحياة التي خلق الله الروح لها..

-- وربما أن المتنبي لم يكن يعني إلا أن العشق وحده هو الذي يصيب الناس بالموت لما يصيب المغرمين من وجد.. لكن لم يكن لشعره أن يعيش كل هذه السنين لو كان يعني ذلك فقط! ولو حتى دون إدراك مباشر منه..

(لقراءة شرح قصيدة المتنبي اضغط هنا)

الاثنين، 21 نوفمبر 2011

آمال وطن

سيدة ترفع يديها بالدعاء وسط الاشتباكات في ميدان التحرير - 19 نوفمبر 2011 .. تصوير: عمرو عبد الله، رويترز


اللهم أنت الأعلم أنا لا نريد إلا وطناً لا تهان فيه الكرامة. نريد وطناً ينام فيه الأطفال في بيوت كريمة، لا يحلمون بكسرة خبز أو شربة ماء نظيفة، أو حذاء متماسك، أو دورة مياه متحضرة، أنت الأعلم أنا نريد شارعاً لا تنتهك فيه حرمة المرأة، وأقسام شرطة تعمل لأجل الأمان، وليس للترويع والتعذيب، نريد مدارساً تنويرية، ووزارات مخلصة، وقيادات شجاعة. اللهم أنت الأعلم بالمظلوم والظالم، والخفي والبيّن، فانصر عبادك المخلصين.

الثلاثاء، 15 نوفمبر 2011

طقوس الوجود

جزء من عمل للفنانة لينا عامر بعنوان "مثقلة بتعب الوجوه" - مأخوذ عن صفحتها على موقع فليكر

لا أعرف إن كنت سأنام الليلة.. ثمة شيء صامت يثقل الأجفان.. شيء متعب، منهك، ناعم.. ولذيذ.. ثمة هدوء يغمر القلب، وحنين يخيم على الذكرى.. كل ذكرى.. وترقب يعلو الجو بخفة، لا تلمسه، ولا تراه تماماً، لكنه موجود، يتسلسل خلسة بين الأنفاس.. ولا يملأ صدرك..

ولا أعرف إن كنت سأكتب الليلة.. فصوت أصابعي على لوحة المفاتيح يروق لي.. وأنغام الثلاثي جبران على أعوداهم تروق لي أيضاً، ورسالة الصديق التي أرد عليها من خلف صفحة الكتابة تلك فأنفس فيها عن بعض ردودي التقليدية.. بعض تفاصيلي الصغيرة.. وبعض جنوني.. هي كذلك تروق لي..

والشغب يروق لي الآن، ونرجسيتي تروق لي الآن، وأحلامي الرائعة تروق لي الآن.. وسريري الدافئ أيضاً.. ورقصة غبية من رقصاتي الليلية.. وأغنية لبنانية.. قديمة.. وتمشية في منتصف الليل في شوراع القاهرة العتيقة.. العبقة.. الحزينة.. وقصيدة، وحكاية، وأعوام طفولة مضت..

لكن هذا كله ليس له معنى.. ولا يعني أي شيء لي.. أكرره.. وأكتبه كلما أمسكت بالقلم.. لكني لا أدركه.. لا أدركه أبداً..


أنا الطيف الذي يطل بين نظرات عينيّ في المرآة، عندما لا أمعن النظر إلى نفسي.. أنا - ربما - مثل بطلة تلك الأوبرا التي تحب الكثير من حولها، التي ترشف نور الشمس حين تشرق، وتستقبل بكل صفاء عبير زهور نيسان.. لكنها - هي - خاوية من العبير، وخاوية من التفسير، ولا تعرف لنفسها هوية.. وربما تكون الجار الذي يدق على بابك فجأة دون استعدادك..*

أنا من أرتطم بوجودي في أقصى حالات الصخب.. في قاعة تنتفخ بالبشر، تضج بالموسيقى العالية، خشخشة الآلات، ودقات الطبول، ونداءات الأوتار، وصوت يغني دون هوادة، وأياد تصفق، وعيون تتابع أنفسها، وتتابع الجميع، وتتابعني، وتتابعهم، وشفاه تبتسم، وعقول تنكب على نسج الحكايا، وحياكة الأماني، واللذات، وتهريب الصيحات، وتسجيل الذكريات، وتطييب الأحزان، وتزييف صور الحنق والخجل والنفاق، أرجل تأتي وتذهب، وتقوم للرقص، وتتأهب للغياب، وتشير بالقلق، أو الطرب، ضحكة تلو الأخرى، نداء يشد نظرة، وكأس يذيب قلب، ووجود آخر يراقب، وآخر يحيي كل شيء، ولا يراه أحد، ورجل يدخل، يحمل تنورة ملونة في الخاصرة، ويدور، ويدور، ولا يدور الصخب من حوله، بل يصبح هو في صخب يخلقه لذاته، وأنا – فجأة.. أو تدريجياً.. – يملؤني الصمت حيث أجلس، فلا أسمع شيئاً إلا دقات الطبول متواصلة، دئوبة، تئن مع القلب، تصعد مع الروح، لكنها ثابتة، غائرة في صلب الأرض، أسمع وأرى الألوان تتالى، واحدة تلو الأخرى.. أو لا أسمع.. وأنهار.. وأصبح ها هنا.. أخيراً..

ولا أعي ما أنا.. أشعر بالصمت، بتفاهة الحياة، بهدوء وحنان في القلب، وحزن يفيض في الروح.. لكني لا أعرف من أنا.. غير أني أعرف أني لست شيئاً من هذا الوجود.. قد أكون حلماً في خيال أحدهم.. قد أكون شريط ذاكرة لامرأة ميتة.. أو امرأة أخرى تختبئ في أعماقي ولم أحررها بعد.. 

__________

* الأوبرا المقصودة: " لا بوهيم - La Boheme" لجياكومو بوتشيني. 


الخميس، 28 يوليو 2011

كرسي المشاهدة


عندما كنت طفلة صغيرة كنت أتجول في أحد المحال مع أبي وإذا به فجأة يذهب تجاه مجموعة من اسطوانات الموسيقى الكلاسيكية، ويخاطبني في دهشة "تصوري! خمس اسطوانات للروائع العالمية بثمن زهيد جداً!" واشتراها أبي وكنت في ذلك الوقت أرى إهتمامه بالموسيقى "الكبيرة" التي يسمعها كما أرى مراجع الطب الكبيرة أيضاً التي كان يحرص على متابعتها، ويقضي الليالي على قراءة ما ضمته جلدتاها السميكتان.. كانت المراجع بالنسبة لي، كما الموسيقى، بعيدة، معقدة، ولأبي فقط..

وفي يوم قررت "أدعبس" في هذه الاسطوانات التي راق لي منظر صور الرجال المتأنقين عليها، وخاصة تشايكوفسكي صاحب العينين الصافيتين والشارب الأبيض المرتب بعناية، وسمعت الاسطوانة تلو الأخرى وتابعت أسماء المقطوعات.. حتى بدأ أبي يسابقني في معرفة اسم المقطوعة ومؤلفها، ثم زاد إهتمامي بالموسيقى وأصبحت كثيراً ما أهزم أبي.. واخترت دراسة الموسيقى في المدرسة لمدة عامين، وتعلمت العزف على البيانو، وكنت كثيراً ما ألجأ لهذه الاسطوانات، يشاركني الغاضب منها لحظاتي الثائرة، ويداعب العذب منها قلبي الصغير، ويثير بعض الدموع في عيني الرائع منها الذي يسمو بي بعيداً عن الدنيا، وأغيب في لحظات من التيه والوجود أنسى فيها نفسي، ليتجلى كل ما هو رائع، كل ما هو صعب المنال، كل ما هو شجي، وبعيد، وجميل.. 

من أكثر ما أحببت كان "الهابانيرا" من كارمن لبيزيه، و"الأمير الشاب والأميرة الشابة" من شهرزاد لرمسكي كورساكوف، وسوناتا ضوء القمر لبيتهوفن، وكونشرتو البيانو رقم 1 في "سلم ري بي مول صغير" (كما ترجمها لي مذيع في البرنامج الموسيقي ذات مرة)، ومقطوعة الصباح لجريج، وكونشيتو البيانو رقم 2 "آديجو سوستينُتو" لراخمانينوف، ولا ترافيّتا لفيردي.. وغيرها..

وربما لأي متخصص بالموسيقى تنم هذه الاختيارات عن معرفة غير واسعة.. وهذا لا أنكره.. لكني كتبت ما كتبت لأني أدركت أني مللت الجلوس على كرسي المشاهدة! كما ربما – دون أن أعي – مللت سماع هذه الموسيقى تنبعث عن بعد من مكتب أبي، وقررت أن أكتشفها فإنفتح لي ذلك العالم الموسيقي، وراق لي كثيراً، وربما لولا تلك اللحظة لما تعلمت بعض مبادئ الموسيقى في المدرسة، ولما شعرت الآن أني أريد استكمال دروس البيانو، ولما كنت أنتظر عروض الباليه في الأوبرا بشغف، وحفلات الموسيقيين في كل مكان بمختلف ما يعرضونه من ألوان هذا الفن..

مللت الكتابة عن أنشطة الآخرين، مللت الكتابة عن أمنياتي، مللت الحديث عن ذلك المكان الرائع، أو المستقبل الذي سأحقق فيه الكثير.. لأني وجدت نفسي الآن في مستقبل كنت أتخيله منذ عام أو عامين أو أكثر، وانتهى بي الأمر أني مازلت أرسم مستقبلاً غير الذي أحققه، ووجدت نفسي على كرسي المشاهدة: أرى الجميع يذهبون ويجيئون، وأحرك شفتي أو قلمي، ولكني أظل مكاني..

وللحظة أدركت أن جلوسي قد يكون سببه عدم وضوح الرؤية، أو الكسل، أو الخوف من التجربة.. ولأني أعلم جيداً مدى الرعب الذي يسببه لي أي شيء أقوم به، مدى القلق عند البوح برأيي، ومدى عدم رضاي عن عملي وإن رضي عنه من حولي، وميلي للمكوث دائماً في مقعد هادئ للمتابعة عن بعد.. لأني أعلم أن تلك المشاعر الطفولية لن تحقق لي أي شيء، ولأني بدأت أشعر بالملل من حياتي بأكملها.. أردت أن أتوجه لفعل ما أحب، وأن أخطئ (حتى وإن كنت أشعر بعدم ارتياح وأنا أكتب هذه الكلمة وأتخيلها في عقلي).. وأن أخطئ، ثم أتعلم، وأن استمتع بذلك، وأعيش هذه الحياة بكل ما فيها..

وربما هناك شخص ما مثلي في مكان ما.. ولهذا كتبت هذا المساء..

الاثنين، 27 يونيو 2011

عن الوحدة

من أعمال باسكال كامبيون

الوحدة
أروع
شيء 
في 
الوجود

فهي تعطيك الفرصة دائماً لرؤية الدنيا من على بعد خاص
وتأمل تفاصيل البشر
والاستمتاع بجمال الأشياء على مهل

لكنها تحرمك من أن تعيشها بكل جوارحك.

***

وتعيشُ دائماً وحدك.. تنسج خيوط الوحدة حولك.. وتفرخ هي أطفالها في داخلك.. يكبرون فيك.. يطلون من عينيك.. يتساقطون بين كلماتك.. ينامون على أطراف ضحكاتك.. يهربون في دموعك.. ويشدونك في إيماءة بطيئة وحيدة وأنت جالس على كرسي بين الآلاف، وحدك، و لا تسمع شيئاً إلا صوت الريح يدور من حولك..

***
عندما تموت سيجدها أحدهم بالصدفة بعد أيام أو شهور ملقاة على أعتاب غرفتها.. في سريرها.. أو على أحد الكراسي.. ولن يعرف أحداً اسمها.
سيهيل عليها التراب وحده.. ويرحل..
ولن يزور قبرها إلا نسيم الشتاء عابقاً بالشجن، حاملاً الأمل والذكرى.. كما فعل دائماً..

الجمعة، 24 يونيو 2011

ذاكرة الأمنيات..


كان يأتي الربيع في أيرلندا فتمتلئ الدنيا بزهور الهندباء (ولا أعرف لمَ يبدو اسمها غريباً هكذا بالعربية! يطلق على الهندباء  لفظ "داندولاين" بالإنجليزية، وهي زهور صفراء صغيرة، تنتشر في أرجاء المساحات الخضراء الواسعة، تغطيها، تظلل هور الأقحوان ("الدايزي") الصغيرة، البيضاء، التي تنبثق كالبسمات تحتضن أشعة الشمس، تدغدغ التلال الزمردية،  وتملأ صدرك بالفرحة والأمل.
وعندما يأتي الصيف تتحول وريقات الهندباء الصفراء إلى شيء يشبه المظلة: الكثير من الأعواد الضئيلة التي تحمل كل منها مظلة أخرى خاصة بها من الوريقات أو الشعيرات الهشة، تائهة اللون بين الأبيض والرمادي.. قالت لي إحدى صديقاتي إنه يجب تمني أمنية قبل النفخ برفق في زهرة الهندباء الصيفية، فتتطاير أجزاؤها مع الهواء، وتسقط في مكان ما حتى تُزهر الربيع القادم وتتحقق الأمنية.
كنت سأكتب عن بعض أمنياتي السابقة، ولذا عنونت تدوينتي بـ"ذاكرة الأمنيات"، لكني غيرت رأيي، وآثرت أن أكتب فقط عن ذكرياتي مع هذه الزهور البديعة وإرتباطها بأمنياتي أمس واليوم.. 

أتذكر أول مرة رأيتها فيها، عندما اندهشت جداً، فقد كان عهدي بها دائماً هو رؤية أبطال أفلام الكرتون ينفخون جزيئاتها.. يومها كنت أزور العاصمة دبلن لأول مرة، كنت في العاشرة من عمري، طفلة قصيرة ممتلئة أمسك بيد أبي، نسير على إحدى الجسور في دبلن، فوق نهر الليفي، عودة من السفارة المصرية، وأذكر أن أبي كان قد بدأ يغني عندما رأيت مجموعة من أزهار الهندباء فأوقفته أحكي له "عن عهدي بها في أفلام الكرتون.." والتقطت واحدة ونفختها في سعادة بالغة.. في سنين كان كل ما بها جميل، كان كل شيء يسعدنا ببراءة خاصة لا تتكرر ثانية.
ربما تمنيت حينها أن أزور مصر، أو يوافق أهل صديقتي إيمان أن تزورني في البيت نهاية الأسبوع، أو أن أنجح في إمتحان الحساب.. وربما بعدها بعامين أو ثلاث تمنيت أن تجمعني صدفة ما بأستاذ العلوم الذي كنت مغرمة به في مدرستي القديمة.. وبعدها بعام آخر ربما كنت أتمنى أن تأتي معجزة ما تنتشلني من نوبة الاكتئاب التي عصفت بحياتي عدة أشهر..
واليوم.. أنا أتمنى أن يجمعني الله دائماً بعائلتي على خير، وأن يرضى عنا ويرحمنا، وأتمنى أن ينصر الله أهل سوريا، ويحمي شعبها، وأرضها الطيبة، أتمنى ألا أموت قبل أن أرى مصر قوية، وقد انتشلناها من الفقر والجهل والظلم، وأتمنى أن أعمل كما ينبغي عليّ أن أعمل.. أتمنى أن أنهى قراءة الكتب التي وضعتها على المكتب "لأجل القراءة"، أتمنى أن أعود للعزف على البيانو، وأتمنى أن أتخلص من خوفي من الطائرات، وأن أزور تركيا واليونان، وأتمنى ألا أنسى إصلاح نظاراتي غداً.. أتمنى أن أكون أكثر صبراً، وأقل خوفاً، وأتمنى أن أستطيع إسعاد من حولي.. أتمنى كوب كبير من الماء البارد، وليلة سعيدة هذا المساء، وغد أفضل.. وأتمنى كما تتمنى أمي دائماً: الرضا والستر.

الأربعاء، 22 يونيو 2011

باكل لما..


شيرين في فيلم (بخيت وعديلة)
 تدوينة رقم 5 في سلسلة تدوينات الضياع..


باكل لما:

- أكتب مقال جديد.. وأحس إنه غبي
- أكتب تدوينة جديدة.. وأحس إنها ضايعة
- أشوف واحدة زي مونيكا بيلوتشي
- أكون مستنية
- بتفرج على تيمور وشفيقة
- مابقاش فاهمة الناس بتوع السياسة بيقولوا ايه
- أبقى مش عارفة أقرر
- أبقى مش عارفة أرد على سؤال: انتي رأيك ايه؟
(على فكرة ده بيفكرني بقصيدة محمود درويش.. دوس هنا)
- مابقاش عارفة إزاي أنظم الستين ألف حاجة اللي ورايا
- أبقى هسافر.. يعني هركب طيارة..  
- أبقى مش عارفة أقول ايه
- أبقى في حالة إني "مش عارفة"
- أبقى عايزة أعمل حاجة.. ومش بعملها.. 
- أكتشف فجأة (و"تنوّر في مخي") إن الحاجة الفلانية اللي قلتها حاجة غبية جداً
- ماعرفش أرد في ساعتها

- لما بتوتر
- لما بحس "ياكّش تولع" 

الثلاثاء، 21 يونيو 2011

وفاتت المغربية..



غنى عبد الحليم الحافظ (موال النهار) في أعقاب هزيمة 1967، غنى حزيناً على بلاده الصبية الجميلة.. الذي جاءها نهار لم يقدر على دفع مهرها.. وغاب منكسراً خلف ظلال المغربية التي نزلت تسكن الدنيا بعد النكسة.. غنى حزيناً على سقوط الوطن الذي شدا قبل ذلك من أجله "بالأحضان يا مصانع، يا مزارع.. بالأحضان يا حصاد الثورة، يا حلم وعلم.." (أغنية "بالأحضان"، كلمات صلاح جاهين، ألحان كمال الطويل، عام 1961).. واليوم، في ذكرى ميلاد العندليب الثانية والثمانين، يرن موال النهار وحده في أذني، يسكنني بألحانه التي تمس أوتار القلب، تدق حجرات الذكريات، يصاحبني بكلماته الحزينة، العذبة، التي ترفض الإنهيار، وتعد بالأمل..


(موال النهار) من تأليف الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، الذي كتب مجموعة من الأغنيات الحماسية غناها عبد الحليم من مبنى الإذاعة والتلفزيون أثناء حرب 1967 مثل "ابنك يقول لك يا بطل"، و"اضرب.. اضرب"، وعندما أذيع خبر الهزيمة كتب الأبنودي "عدى النهار"، ويقال إنه ألفها في حضور عبد الحليم، وعندما وصل إلى عبارة "أبو النجوم الدبلانين" توقف حائراً فاقترح عليه عبد الحليم أن يكتب بعدها "أبو الغناوي المجروحين" واستكمل الأبنودي تأليف الأغنية التي لحنها بليغ حمدي، وغناها عبد الحليم بعد ذلك في الاستوديو يستهلها في هدوء بالكلمات الشهيرة "عدى النهار.. والمغربية جاية.."

تذكرتها اليوم في ذكرى ميلاد العندليب.. فقد فاتت المغربية.. فاتت المغربية الطويلة جداً، التي ماتت خيوط ضوئها الخافت على مر السنين، وتركتنا في ظلام دامس ظننا أننا لن نخرج منه أبداً.. ثم هلّ الفجر المنتظر مع ثورة الخامس والعشرين من يناير، ومصر اليوم تولد من جديد – وإن كانت ولادة طويلة، متعسرة بعض الشيء، ولا نعرف كيف سيكون المولود، أو متى سيخرج لينير الدنيا أخيراً، وماذا سيفعل بنا – لكن الكثير منا يشعر أن مجيئه أمر جدير بالأمل والتفاؤل، والكثير من العمل..

وبلدنا اليوم.. كما تمناها حليم والأبنودي وبليغ حمدي..

تحلم ببكرا.. واللي هيجيبه معاه.. تنده عليه في الضلمة.. وبتسمع نداه.. تصحى له من قبل الأدان.. تروح تقابله في الغيطان.. في المصانع والمعامل.. والمدارس والساحات..

كل الدروب واخدة بلدنا للنهار.. واحنا بلدنا للنهار.. بتحب موال النهار.. لما يعدي في الدروب.. ويغني قدام كل دار..

السبت، 18 يونيو 2011

كلاكيت أول مرة: حملة التدوين اليومي


قررت أن أمسك بزمام أفكاري وأبدأ حملة تدوين يومي لمدة ثلاثين يوماً، وقد استوحيت الفكرة من أحمد الفقي، زميلي في مجلة (كلمتنا)، الذي يدون كل يوم في مدونته Un Journlaiste كجزء من حملة تدوين يومية أطلقتها مجموعة من المدونين في بداية شهر يونيو، وشجعتني على الفكرة صديقتي العزيزة سارة.
ولأني لا أعرف كيف ستكون أيامي حتى الثامن عشر من الشهر المقبل، فلا أعرف كيف سيكون شكل هذه الكتابات، غير أني أستطيع القول أنها لن تكون سياسية، ليس فقط لأني لم أبدأ فعلياً متابعة دنيا السياسة إلا مع الصخب السياسي الذي اجتاح حياتنا بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، ومازالت أفكاري تتحسس خطاها فيه، ولكن أيضاً لأني أعتقد أنه يكفينا ما نتعرض له كل يوم من تحليلات ومناقشات ومقالات وفيديوهات على (اليوتيوب) وأسئلة على (الفيس بوك)، ورغم أن هذا كله مهم، لكني لا أظن أننا ننتظر أفكار ريم السياسية التي مازالت تتكون، ومن قال لا أدري فقد أفتى.
لكني أستطيع أن اقول أني قد أكتب مرة عن شيء شاهدته في الشارع، ثم عن أمر استوقفني في دنيا الإعلام، ثم عن حديث مع شخص لم أكن لأقابله، وربما أكتب عن كتاب، أو فن جديد.. حتى أكمل الثلاثين يوماً وأنجح في مهمة الاستمرار في الكتابة.. فهذا الأمر هو حلم يراودني منذ كنت في الصف الأول الثانوي.. كنت ما أزال في أيرلندا، وكان يُسمح لنا بالخروج من المدرسة وقت "الفسحة" لأن مدرستنا كانت صغيرة وتقع في وسط المدينة، فكان الكثير من الفتيات يخرجن لتناول الغداء، وبما أني لم أستطع تكوين صداقات فكنت كثيراً ما أقطع الشارع وأدخل المكتبة العامة أقضي بها حوالي نصف الساعة، وفي يوم تناولت كتاباً اسمه "كيف تكتب القصة" وعندما جلست لأقرأه في غرفتي في البيت توقفت عند صفحات بها حكايات الكتاب المشهورين مع الكتابة، وكانت من بينهم جي كي رولينج، صاحبة سلسلة (هاري بوتر) الشهيرة، وجاكلين ويلسون، كاتبة الأطفال الإنجليزية، التي تعرفت على قصصها عندما سافرت إلى أيرلندا لأول مرة وأنا في العاشرة من عمري، فأسرت خيالي كله، والتهمتُ كل ما كتبت، وكل ما كان يصدر لها من كتب جديدة، ولم أكن لأشبع من حكاياتها أبداً، بل أذكر أننا الفتيات في الصف (كانت أغلب المدارس في أيرلندا غير مختلطة) كنا نتسابق للحصول على كتاب جاكلين ويلسون الجديد الذي ينضم إلى المكتبة، وكان حظها الأسوأ تلك التي استعارت كتاباً قبل وصول الكتاب الجديد مباشرة، فلن تسمح لها المعلمة بإعادته للمكتبة لأنها بالتأكيد لم تقرأه، والمحظوظة بالطبع هي من قاربت على إنهاء الكتاب الذي كان بحوزتها، فتنهيه سريعاً وتأتي صباح اليوم التالي تستبدل الكتاب المقروء بكتاب ويلسون بمجرد أن تدخل المعلمة إلى الصف، وتكون هي أول من تمر على حروف هذا الكتاب الساحر (وساعات تبقى رخمة وتقعد كتير تقراه، قال يعني بقى بتتمعن - وتغيظنا..)
عندما رأيت صورة جاكلين ويلسون لأول مرة في كتاب كيفية كتابة القصص تفاجأت جداً، تماماً مثلما تفاجأت عندما رأيت أبلى فضيلة لأول مرة، ولم أقتنع بها واحتفظت دائماً بالصورة التي رسمتها لها في مخيلتي منذ الطفولة، وظهرت لي ويلسون فرأيت سيدة كبيرة السن ذات شعر قصير أبيض، ووجه ظهر فيه مرور الزمن بين كرمشة في الجبهة وحول العين، ترتدي قميصاً أسوداً غير مميز، وتضع خواتماً كبيرة ملونة في أغلب أصابع يديها.. ولكنها كانت تبتسم وفي عينيها - خلف النظارات الدائرية - شغف لامع، ذكاء خفي، وطفولة ضاحكة.. وتحت الصورة قرأت أنها كانت تكتب كل يوم، حتى وإن لم تجد ما تكتب عنه، تكتب أي شيء، وكانت تحدد لنفسها عدد كلمات معين، وليكن 400، وتعزم على الكتابة كل يوم بغض النظر عما تنتجه، وبغض النظر عن وجود فكرة جذابة أو لا، أو توفر الرغبة من عدمها، قائلة أنها قد لا تشعر بأهمية ذلك اليوم ولكنها بالتأكيد ستجني ثماره في المستقبل. 
ومؤخراً قرأت حديثاً للكاتبة التشيلية إيزابيل الليندي فوجدتها تقول – وهي تفضل تسمية نفسها أكثر بالحكاءة بدلاً من الأديبة أوالكاتبة – أنها كانت تحكي لأحد أطفالها حكاية كل يوم، وكانت كثيراً ما تضطر لتأليف الحكاية، فكان ذلك يومياً يغذي خيالها وأفكارها، ويطور تفاصيل الحكاية وكيفية سردها على مر الوقت.
وبسبب كل هذا قررت أن أكتب يومياً (وأن أنشر ما أكتب في مدونتي لأستفيد من التعليقات المختلفة)، فأظن أني لن أتراجع عن مهنة الكتابة بعد كل هذه الأعوام من الاستمرار في رغبة تحقيقها (إلا إذا حدث شيء وأعدت إكتشاف نفسي من جديد.. وربما حتى حينها لن أستطيع التخلي تماماً عن الكتابة)

وتوكلنا على الله نبدأ الـ 30 يوم..    

ملحوظة: لم يطاوعني قلبي أن انهي كلامي دون أن أذكر كاتب الأطفال الأيرلندي الرائع رولد داهل، فقد تحدثت كثيراً عن جاكلين ويلسون لأنها كانت الأقرب إلى قلبي، ولكن رولد داهل كان رائع أيضاً، وقد وجدت كتبه في مكتبات الشروق في مصر.. من أشهر ما كتب "جيمز وحبة الخوخ الضخمة"، "ماتيلدا"، "تشارلي ومصنع الشوكولاتة"، "العملاق الكبير الودود The Big Friendly Giant" وغيرها من الحكايات.

ملحوظة 2: لم يطاوعني قلبي مرة أخرى بعد الحديث عن رولد داهل ألا أذكر الكتاب الذي أصدرته دار الشروق مؤخراً تحت عنوان (ديوان شوقي للناشئة) لأمير الشعراء أحمد شوقي، هو ديوان جميل حقاً به الكثير من قصص الأطفال المكتوبة كلها بالأبيات الشعرية، بعضها مضحك، وبعضها يحمل حكمة أو درس، ومنها الكثير الذكي جداً، والذي يعمل على فكر وخيال القارئ، ويعطيه المتعة والإبتسامة.

ملحوظة3: ربما يجدر بي القراءة عن أدب الأطفال والكتابة عنه!